الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أنا أبٌ فاشل
كنتُ أظنُّ أن الأبوّة مَنحةٌ من السماء تأتي مع الطفل حين يُولد، كأنها هديةٌ مُغلَّفةٌ بالفرح، لا تحتاج إلى تعلُّم ولا تدريب، ولا إلى توقُّف أو مراجعة. كنتُ أظنُّ أن حُبِّي لأبنائي وحده كافٍ، وأن الحب — في ذاته — تربيةٌ كاملة. وها أنا اليوم أجلسُ أمام نفسي جلسةَ المحاسَبة الصعبة، وأقول بصوتٍ لا يرتجف لأنه تجاوز مرحلة الخجل: أنا أبٌ فاشل.
لستُ أقول ذلك جلداً للنفس، ولا استجداءً للتعاطف، ولا تواضعاً مُزيَّفاً يتوقع نفياً من الآخرين. أقوله كما يقول الطبيبُ تشخيصه حين يشاهد الصورة كاملةً أمامه، فيضع اسم الداء بوضوح قبل أن يبدأ العلاج.
فشلتُ حين آثرتُ الغياب.
لم يكن غيابي جسدياً دائماً، بل كان أشدَّ خطراً من ذلك: كنتُ حاضراً في المكان، غائباً في الروح. أجلس بينهم وعيني في شاشةٍ، أو ذهني في عملٍ لم ينتهِ، أو قلبي في هموم الدنيا التي لا تنضب. وكانت تمرُّ أيامٌ بأكملها لا أعرفُ فيها ما يشغلُ بال ابني، ولا ما يُقلقُ ابنتي، ولا ما تدور به رؤوس من أُوكلتُ بهم أمانةً قبل أن يُوكَلوا بي دمٌ وعيٌن.
الأب الغائبُ لا يترك فراغاً فحسب، بل يترك رسالةً صامتةً يقرأها الأبناء بوضوح: أنتم لستم الأهمّ. وكم من رسالةٍ صامتةٍ كتبتُها دون أن أمسك قلماً.
وفشلتُ حين ظننتُ أن الرزق وحده هو الواجب.
كثيرٌ منّا تربَّى على فكرة أن الأب هو المُعيل، وما دام الرغيفُ موجوداً والمصروفُ في الجيب والكتبُ في الحقيبة، فالأبوّة مُؤدَّاة الحقوق. وكنتُ من هؤلاء. كنتُ أعود منهوكاً وأقول في سِرِّي: ماذا تريدون أكثر مما أُقدِّم؟ لم أكن أعلمُ أنهم لا يريدون أكثر، بل يريدون شيئاً مختلفاً تماماً: يريدون أباً يسألُ عن حُلمهم قبل درجاتهم، ويسمعُ خسارتهم الصغيرة في الملعب كما يسمعُ نتيجة الامتحان الكبير.
أدركتُ متأخِّراً أن الطفل لا يحتاجُ إلى أبٍ ثريٍّ، بل إلى أبٍ حاضر. وأن الحضور ليس وجوداً في الغرفة، بل انتباهٌ حقيقيٌّ، وعينٌ تلتقط ما لا تقوله الكلمات.
وفشلتُ حين كنتُ أُعلِّمُهم بلساني وأُهدمُهم بسلوكي.
قلتُ لابني: لا تكذب. ثم رأى أبيه يتملَّص من موقف بكذبةٍ بيضاء. قلتُ لابنتي: احترمي الآخرين. ثم سمعَتني أتحدَّثُ عن جارنا بما لا يليق. قلتُ لهم: الصبرُ فضيلة. ثم فقدتُ أعصابي على أتفه الأشياء أمام أعينهم.
الأطفالُ لا يتعلَّمون ما نقول، بل يتشرَّبون ما نكون. ونحن نحسبُ أننا نُربِّيهم بالكلام، وهم في الحقيقة يُصوِّرُوننا بعيونهم ويحملون تلك الصورة في أعماقهم سنين طويلة. وأيُّ صورةٍ تلك التي تركتُها؟
وفشلتُ حين كانت علاقتي بهم مشروطةً بالإنجاز.
حين يصلُ ابني إلى القمة أملأتُ الدنيا فرحاً وثناءً. وحين يتعثَّرُ، تحوَّل وجهي إلى مرآةٍ تعكسُ خيبتي قبل أن أسأله: هل أنت بخير؟ لم أكن أعرفُ أن الابن الذي يخسرُ يحتاجُ إلى أبيه أكثر من الابن الذي يفوز. وأن الحبَّ الذي يُعلَّقُ على شرطٍ ليس حبّاً، بل هو بنودُ عقدٍ لا يفهمُها طفلٌ صغير.
وكم من طفلٍ لجأ إلى الشارع أو الرفيق السيئ أو العالم الافتراضي الموحش، لأنه لم يجد في بيته أباً يقبله كاملاً بنجاحاته وإخفاقاته معاً.
فماذا بعد الاعتراف؟
الاعترافُ وحده لا يُنجي أحداً، والندمُ دون تغييرٍ لا يتجاوز كونه ترفاً عاطفياً. لكن ما يجعلُ هذا الاعتراف ذا قيمة هو أن ثمَّة غداً، وأن الأبناء — ما داموا قريبين منّا — لا يزالون يمنحوننا فرصةً لم نستحقَّها دائماً.
لم يُعاقبوني على غيابي، لكنهم علَّمُوني بصمتهم. لم يُؤنِّبوني على أخطائي، لكنهم — حين يُبادرُون بالحديث أحياناً — يُمدُّوني بخيطٍ ثمين لا ينبغي أن أُفلتَه.
أن تكون أباً ناجحاً لا يعني أن تكون مثالياً، بل أن تكون صادقاً: صادقاً في حضورك، صادقاً في اعترافك بخطئك أمام أبنائك، وصادقاً في المحاولة مرةً بعد مرة، دون أن تنتظر شهادةً من أحد.
أنا أبٌ فاشل. وهذا الاعترافُ — الذي يؤلمُ — هو أول خطوةٍ نحو أبٍ أفضل. فليس العارُ في السقوط، بل العارُ كلُّه في أن تظلَّ مُلقىً على الأرض وتُسمِّي ذلك راحة.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الشكل والوظيفة




