توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الشكل والوظيفة

في صغرنا، كنا نحب الأشياء لأنها تلمع.
الحذاء الجديد لا يعجبنا لأنه يحمي القدم، بل لأن له بريقاً يُغري، ولأن أقراننا سينظرون إليه قبل أن ينظروا إلينا. والقميص لا نختاره لأنه دافئ أو مريح، بل لأن لونه يقول شيئاً عنّا، أو لأننا رأيناه في مكان يليق بنا أن نُنسب إليه. وهكذا تمضي سنوات العمر الأولى في خدمة الشكل، وكأن الإنسان لم يُخلق ليعيش، بل ليُرى. ثم يمشي العمر.
لا يمشي دفعةً واحدة، بل يتسلل كما يتسلل ضوء الفجر — ببطء لا تلحظه العين، حتى إذا التفتّ وجدت النهار قد جاء. وفي هذا التسلل الهادئ، تبدأ الأشياء في أن تكشف عن وجه آخر كنا نعرفه لكننا كنا نتجاهله: وجه الوظيفة.
السيارة التي كان الشاب يختارها بالنظر إلى خطوطها ولونها وصوت محركها حين ينطلق في الشارع، يختارها الرجل الذي تقدّم به العمر بالنظر إلى مساحة صندوقها، وعدد مقاعدها، واستهلاكها من الوقود. الأثاث الذي كان يُختار ليكون لوحةً في غرفة معيشة، يُختار لاحقاً ليكون مريحاً لظهر يتعب، وساقين لا تطيقان القسوة. الملابس التي كانت موضةً وهويةً، تصبح في مرحلة من العمر دفئاً ووزناً خفيفاً وقماشاً لا يُتعب.
هذا ليس تراجعاً، كما قد يُخيَّل لبعضنا.
إنه نضج من نوع خاص؛ النوع الذي لا تعترف به المجلات ولا تحتفي به الإعلانات، لأنه لا يبيع شيئاً. فالشركات تعيش على إغراء الشكل، وتحتاج إلى بشر يشترون ما يبدو لا ما يفيد. لكن الإنسان الذي عاش سنوات كافية، ورأى كيف تنقلب الأولويات، ومنح نفسه إذناً بأن يهدأ — هذا الإنسان يبدأ في التحرر من طغيان المظهر، ويُصغي أخيراً للسؤال الحقيقي: هل يؤدي هذا الشيء ما أحتاجه؟
ولعل من أعمق ما يُدرك المرء بالعمر، أن هذه المعادلة — الشكل مقابل الوظيفة — لا تقتصر على الأشياء وحدها.
فنحن نطبّقها على الناس أيضاً، دون أن ندري. في الشباب، نُعجَب بمن يلمع: بالكاريزما، وطلاقة اللسان، والحضور الطاغي، والوجه الذي لا يُنسى. أما حين يتقدم بنا العمر، فنبحث — إن صدقنا مع أنفسنا — عمّن يصدق في الأزمات، ومن يحضر حين يغيب الآخرون، ومن يهمس لا يصرخ، ومن تشعر في وجوده بأن الحياة أقل ثقلاً.
كأن العمر مرشاح كبير، يُبقي على ما يصمد، ويُسقط ما كان بريقه مستعاراً.
وأجمل ما في هذا التحول، أنه لا يحدث بقرار. لا يقرر أحد ذات يوم أن يكفّ عن الاكتراث بالشكل ويمضي في ركب الوظيفة. بل يحدث ببطء، كأن الروح تُعيد ترتيب أوراقها في غياب الإنسان عن نفسه، فيصحو يوماً ليجد أن ذوقه تغيّر، وأن سلّم أولوياته أصبح مختلفاً، وأن كثيراً مما كان يُضايقه إن لم يملكه لم يعد يُعنيه.
هذا لا يعني أن الجمال لا قيمة له.
الجمال الحقيقي لا يتعارض مع الوظيفة؛ بل هو — في أرقى صوره — وظيفةٌ بحد ذاتها. فالكرسي الجميل الذي يريح الظهر أيضاً، والكلمة التي تصدق وتُسعد في آنٍ واحد، والوجه الذي يحمل حكمة حياة فيصبح أجمل بالسنين — هذه كلها أمثلة على لحظات التقاء نادرة بين الشكل والوظيفة، تلك اللحظات التي تجعل الحياة تبدو وكأنها تعرف ما تفعل.
لكن حين يُجبَر الإنسان على الاختيار — وكثيراً ما يُجبَر — فإن العمر يُعلّمه شيئاً واحداً لا يُعلّمه سواه: أن ما يدوم هو ما ينفع، وأن ما يبهر اللحظة لا يبقى إلا لحظةً.
وربما هذا هو الحكمة، في أبسط صورها وأعمقها.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الرشوة تغتال السياحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى