فن و ثقافةمنوعات

د.هدى عبد الرحمن تصدر كتابها الجديد «كانط وحقوق الشعوب .. من كانط إلى غزة»

أصدرت الأستاذة الدكتورة هدى محمد عبد الرحمن جاب الله أحدث إصداراتها باسم كانط وحقوق الشعوب:من كانط إلى غزة على ضوء الأحداث الجارية
مقدمة: لماذا هذا الكتاب الآن؟
في زمنٍ تتسارع فيه إعادة النظر في التراث الفلسفي الغربي، وفي زمنٍ تتكشف فيه التناقضات بين دعاوى الكونية وممارسات الهيمنة، يصدر كتاب “كانط وحقوق الشعوب” ليكون أكثر من مجرد دراسة أكاديمية. إنه مشروعٌ فلسفي نقدي يعيد فتح ملفٍ ظلّ مطويًّا طويلاً: التناقض البنيوي في فلسفة إيمانويل كانط بين كونيته المعلنة واستبعاده الاستعماري للشعوب غير الأوروبية.
لم يكن كانط مجرد فيلسوف أخلاقي عادي. إنه ضمير الحداثة الأوروبية، ومهندس مشروع الكونية الحديثة، وحارس القيم العليا للعقل والعدالة والسلام. ولكن، خلف هذه الصورة المثالية، تخفي فلسفته مفارقة عميقة: فيلسوف الحرية والكرامة يتحول، في نصوصه ذاتها، إلى مبرر أيديولوجي للاستعمار.
في زمن الإبادة المعلنة
نحن نعيش اليوم لحظة فلسفية استثنائية. فبينما تُبث مجازر غزة على الهواء مباشرة، وتُهجَّر شعوب من ديارها تحت وابل القصف، وتُفرض إرادات القوة على حساب القانون الدولي، نجد أنفسنا أمام سؤال فلسفي مؤرق: كيف يمكن للفلسفة التي بشرت بحقوق الإنسان والكرامة أن تتحول إلى أداة لتبريـر الاستعمار والهيمنة؟
هذا السؤال هو بالضبط ما يعالجه كتاب “كانط وحقوق الشعوب” الكتاب الذي يبدو للوهلة الأولى قراءة تاريخية في فلسفة إيمانويل كانط، يتحول في الحقيقة إلى أداة حادة لتفكيك الخطابات المعاصرة التي تبرر الاحتلال والاستيطان.
فلسفة كانط: الجذور النظرية للاستعمار الحديث
يكشف الكتاب أن إيمانويل كانط، الذي يُقدَّم في الجامعات الغربية بوصفه “ضمير الحداثة” وحارس القيم الكونية، كان في الوقت نفسه مؤسساً لنظرية تبرر الاستعمار. ففي نصوصه الأنثروبولوجية والجغرافية، وضع كانط تراتبية عرقية واضحة: الأوروبي الأبيض في القمة، وبقية البشر في مراتب أدنى لا تؤهلهم للسيادة أو الحرية.

هذه التراتبية لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل كانت مكوناً عضوياً في بنية تفكيره الفلسفي. فشرط “النضج العقلي” الذي يضعه كانط لاستحقاق الحقوق هو نفسه الشرط الذي يستبعد الشعوب غير الأوروبية. ومن هنا، كان الاشتغال الفلسفي عند كانط ليس مجرد تأمل في العقل الخالص، بل هندسة معرفية لإعادة إنتاج الهيمنة الأوروبية.
ماذا يكشف الكتاب؟
كانط الآخر: فيلسوف التراتبية العرقية
بعيداً عن الصورة النمطية لكانط كفيلسوف العقل الخالص، يكشف الكتاب عن كانط الآخر: واضع التراتبية العرقية، الذي يرى أن “العرق الأبيض يحتوي كل المواهب والدوافع في ذاته”، وأن “الزنوج في إفريقيا ليس لديهم بطبيعتهم أي إحساس يرتفع فوق التفاهة”. هذه النصوص لم تكن هفوات عرضية، بل كانت جزءاً عضوياً من بنية تفكيره، حيث ربط “النضج العقلي” بالقدرة على تشكيل دولة مدنية وفق النموذج الأوروبي.
مفارقة الضيافة الكونية
يقدم كانط في “مشروع السلام الدائم”، مفهوم “الضيافة الكونية” كحق إنساني. لكن الكتاب يكشف أن هذا الحق لم يكن متبادلاً: الأوروبي هو الذي يمنح الضيافة، وغير الأوروبي هو الذي يُستقبل بشروط. تحت غطاء “حق الزيارة”، فُتح الباب للتغلغل الاستعماري، وتأسست مراكز تجارية تحولت إلى مستعمرات، باسم “التبادل السلمي” و”نقل الحضارة”.
الضيافة الكونية أم حق الغزو المغطى؟
يطرح كانط في كتابه “نحو السلم الدائم”، مفهوم “الضيافة الكونية” بوصفه حق الإنسان في زيارة أراضي الآخرين دون أن يُعامل كعدو. لكن الكتاب يكشف أن هذا المفهوم لم يكن بريئاً. فالضيافة الكانطية كانت حقاً للزائر الأوروبي، لا حقاً متبادلاً. الأوروبي هو الذي يمنح الضيافة، وغير الأوروبي هو الذي يُستقبل بشروط.
هذا المنطق نفسه نراه اليوم في خطاب الدول الغربية تجاه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. الضيافة تتحول إلى غطاء لتبريـر القصف والتدمير: فلسطينيون يُقتلون، ولبنانيون يُشردون، وسوريون تُقصف أراضيهم، وإيران تُهدد، تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”. وكأن “حق الدفاع” امتياز للمستعمر، وليس حقاً طبيعياً للمستعمَر.
أرض الخلاء: التبرير الفلسفي للاستعمار
يكشف الكتاب أن مفهوم “الأرض غير المأهولة” ، الذي استخدمته الإمبراطوريات الأوروبية لتبرير الاستعمار، له جذور فلسفية في فكر كانط. فرغم وجود سكان أصليين، تصبح الأرض “خالية” إذا لم تُستخدم وفق النمط الأوروبي للزراعة والاستيطان. السكان الأصليون يُعاملون كجزء من الطبيعة، لا كفاعلين سياسيين.
من “الأرض غير المأهولة” إلى “الأرض الموعودة”
أحد المفاهيم المركزية التي يفككها الكتاب هو مفهوم “الأرض غير المأهولة الذي استخدمته الإمبراطوريات الأوروبية لتبرير الاستعمار. كانط يرى أن الأرض تصبح “خالية” إذا لم تُستخدم وفق النمط الأوروبي للزراعة والاستيطان، حتى لو كان هناك سكان أصليون يعيشون عليها.
هذا المفهوم الفلسفي لم يندثر. إنه يعيش اليوم في قلب المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين. حينما يصرح المسؤولون الإسرائيليون بأن “الأرض كانت خالية”، أو حينما تُصادر الأراضي بحجة “أرض الدولة” أو “المناطق غير المستغلة”، فإنهم يعيدون إنتاج منطق كانط الفلسفي. السكان الأصليون يُعاملون كجزء من الطبيعة، لا كفاعلين سياسيين لهم حق في السيادة.
التجارة كحصان طروادة للاستعمار
في التصور الكانطي، لم تكن التجارة مجرد نشاط اقتصادي، بل أداة لنشر الحضارة. هذا جعل التجارة – حتى في صيغتها غير المتكافئة – مبرراً للتوغل في أراضي الشعوب الأخرى. “العنف البنيوي الناعم” الذي يمارسه الاقتصاد والقانون والتعليم تحت غطاء “التبادل السلمي” هو ما يكشفه الكتاب في قراءة نقدية غير مسبوقة.
التجارة والاستيطان: حصان طروادة الحديث
يكشف الكتاب أن كانط اعتبر التجارة وسيلة سلمية لنشر الحضارة، حتى لو كانت غير متكافئة. تحت هذا الغطاء، فُتحت الأسواق، وتأسست مراكز تجارية، وتحولت إلى مستعمرات. التجارة كانت حصان طروادة للاستعمار.
هذا المنطق نفسه نراه اليوم في السياسات الاقتصادية التي تفرضها القوى الكبرى على المنطقة: تطبيع اقتصادي يسبق التطبيع السياسي، وصفقات سلاح تحت غطاء “الدفاع المشترك”، واستثمارات تهدف إلى “تطوير” المنطقة، بينما تُصادر الأراضي وتُهجَّر الشعوب.
الاستيطان السلمي: تناقض في المصطلح
ميز كانط بين الاستعمار العنيف الذي يدينه، والاستيطان “السلمي” الذي يقبله بشروط. لكن الكتاب يُظهر أن هذا التمييز وهمي: فكل استيطان هو عنف بنيوي، حتى لو لم يمارس عنفاً مباشراً. الاستيطان يفرض نفسه على أرض الآخرين، ويعيد تشكيل حياتهم، ويحولهم إلى “ضيوف” في وطنهم.
لماذا هذا الكتاب مهم الآن؟
أولاً: في زمن تجدد النقاش حول الكونية
نحن نعيش اليوم في زمن تتساءل فيه الفلسفة عن إمكانية كونية حقيقية لا تقوم على هيمنة نموذج واحد. هذا الكتاب يقدم تفكيكاً جذرياً للكونية الكانطية، ويكشف أنها لم تكن كونية بقدر ما كانت خصوصية أوروبية متذكرة تفرض نفسها باسم العقل.
ثانياً: في زمن أزمة حقوق الإنسان
من دواعي الأسف الأخلاقي أن خطاب حقوق الإنسان الذي نعرفه اليوم وريث للتصورات الكانطية. يكشف هذا الكتاب أن حقوق الإنسان في صيغتها الحداثية لم تكن حقوقاً كونية بقدر ما كانت حقوقاً مشروطة بمعايير أوروبية. من يملك “النضج العقلي” يحصل على حقوقه، ومن لا يملك – أي الشعوب المستعمرة – يظل في انتظار “الوصاية الحضارية”.!!
ثالثاً: في زمن تجدد الوعي ما بعد الاستعماري
يشهد العالم اليوم تصاعداً للوعي ما بعد الاستعماري، وإعادة قراءة للتراث الفلسفي من وجهة نظر المهمشين والمستعمَرين. هذا الكتاب يأتي ليكون مساهمة عربية في هذا المشروع العالمي، مقدماً قراءة تنطلق من موقع “الشعوب المستعمرة”، لا من موقع المركزية الأوروبية.
ما الذي يضيفه الكتاب؟
1- قراءة متعددة المناهج: حيث لا يكتفي الكتاب بمنهج واحد، بل يجمع بين:
التحليل النصي الدقيق لنصوص كانط الأصلية
القراءة التفكيكية (دريدا) التي تكشف التناقضات الداخلية
الأركيولوجيا الفوكوية التي تبحث في شروط إمكان الخطاب
النقد ما بعد الكولونيالي (سعيد، فانون، سبيفاك)
2- تفكيك التناقض البنيوي
يُظهر الكتاب أن التناقض في فكر كانط ليس مجرد هفوات عرضية، بل هو تناقض بنيوي يتجلى في: الفجوة بين ميتافيزيقا الأخلاق والأنثروبولوجيا، والازدواجية بين الكونية المعلنة والاستثناء الممارس، ومفارقة الضيافة التي تتحول إلى أداة استعمارية.
3- استعادة صوت المهمشين
ينطلق الكتاب من موقع “الشعوب المستعمرة” التي كانت موضوعاً للفلسفة الغربية لا فاعلاً فيها. هذا يفتح إمكانية بناء فلسفة تنطلق من تجارب المضطهدين، وتأسيس حقوق الشعوب من منظور المقاومة، لا من منظور الامتياز الممنوح.
قراءات نقدية: من فوكو إلى سبيفاك
يستند الكتاب إلى قراءات نقدية عميقة لفلاسفة كبار:
ميشيل فوكو: يكشف كيف أن “حق الزيارة” يتحول إلى آلية مراقبة وتنظيم، حيث لا يُستقبل الضيف كإنسان متساوٍ، بل يُفحَص ويُصنَّف ويُسجَّل.
جاك دريدا: يفضح مفارقة الضيافة البنيوية، ويكشف أن كل ضيافة مشروطة تحتوي في جوهرها على عنصر من السيادة والقوة، وبالتالي فهي مهددة بأن تصبح أداة للهيمنة لا للمشاركة.
والتر منيولو: يقدم نقداً للحداثة الغربية بوصفها مشروعاً استعمارياً بالضرورة، ويكشف أن “الضيافة الكانطية” ليست بريئة، بل تمثل لحظة من لحظات الإخضاع المعرفي والسياسي للآخر.
غاياتري سبيفاك: تسخر من ادعاء الحياد القانوني عند كانط، وتكشف أن “الحق” الذي يتحدث عنه ليس محايداً، بل يُشتق من منظومة أوروبية للتمثيل السياسي والعقلي.
نحو فلسفة حقوقية بديلة
لا يكتفي هذا الكتاب بنقد كانط، بل يفتح الطريق نحو فلسفة حقوقية بديلة، تنطلق من موقع الشعوب المستعمرة، وترى الحقوق لا كامتيازات تُمنح، بل كممارسات تحررية وتضامنية تتأسس على المقاومة.
في زمن تتساءل فيه الفلسفة عن إمكانية العدالة العالمية، يقدم هذا الكتاب أدوات لفك الارتباط بمركزية أوروبية متأصلة، ويستعيد مشروع الكونية من هيمنة نموذج واحد.
كانط وحقوق الشعوب” ليس كتاباً عن كانط فقط. إنه كتاب عن العلاقة بين الفلسفة والسلطة, أصول العنف الرمزي في الحداثة الأوروبية, إمكانية بناء كونية حقيقية لا تقوم على الإقصاء, حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن وصاية أي نموذج حضاري
الاستيطان “السلمي”: تناقض في المصطلح
ميز كانط بين الاستعمار العنيف الذي يدينه، والاستيطان “السلمي” الذي يقبله بشروط. لكن الكتاب يُظهر أن هذا التمييز وهمي. فكل استيطان هو عنف بنيوي، حتى لو لم يُطلق رصاصة واحدة.
وتعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والجولان السوري المحتل ولبنان هي تجسيد حي لهذا المنطق. تُقدم على أنها “استيطان سلمي”، لكنها في الحقيقة عنف يومي: نهب أراضٍ، قطع أشجار، هدم منازل، إزاحة سكان أصليين. الاستيطان هو الاستعمار بعينه، سواء جاء بالحديد والنار أو بالخرائط والمخططات.
صمت الفلسفة: تواطؤ أم عمى؟
أحد أبرز ما يكشفه الكتاب هو صمت كانط البنيوي تجاه الإبادة الجماعية التي كانت تمارس في مستعمرات عصره. هذا الصمت لم يكن مجرد جهل بالتفاصيل، بل كان صمتاً متسقاً مع فلسفته: فالشعوب التي لا ترقى إلى مستوى “النضج” لا تستحق حتى أن يُذكر اسمها.
لا يزال هذا الصمت الفلسفي معنا اليوم. حينما تصمت الأوساط الأكاديمية الغربية عن المجازر اليومية في غزة، أو تتعامل معها بوصفها “تعقيدات الصراع”، فإنها تعيد إنتاج صمت كانط. الفلسفة التي تدعي الكونية تتحول إلى أداة لتبريـر استثناء فلسطين من قواعد القانون الدولي.
وبالتالي أردت أن أوضح كيف أن مبادئ كانط نفسها (الكونية، الإنسانية غاية في ذاتها) تتناقض مع استثناءه للشعوب غير الأوروبية
إن هذه النصوص الأنثروبولوجية في فلسفة كانط ليست هامشية، بل هي تطبيق عملي لمشروعه النقدي. فكما أن كانط ميز بين “العقل الخالص” و”العقل العملي”، فإنه ميز أيضاً بين “الإنسان العاقل” (الأوروبي) و”الإنسان الناقص” (الآخر). الأنثروبولوجيا ليست “هفوة”، بل هي المفتاح لفهم مشروعه بالكامل.
حقوق الشعوب: من الامتياز إلى المقاومة
لا يكتفي الكتاب بنقد كانط، بل يفتح الطريق نحو فلسفة حقوقية بديلة. حقوق الشعوب لا يمكن أن تُمنح من المركز بوصفها امتيازاً مشروطاً بـ”النضج” أو “التحضر”. حقوق الشعوب تُمارس، تُنتزع، وتُبنى من خلال المقاومة.

في فلسطين، في لبنان، في سوريا، في كل مكان يقاوم فيه شعب الاستعمار، تولد حقوق جديدة. حقوق لا تعترف بالتراتبية العرقية، ولا تشترط التشبه بالنموذج الأوروبي، ولا تخضع لإملاءات القوة.

في زمن يموت فيه آلاف الأطفال في غزة تحت القصف، وفي زمن تُهجَّر فيه شعوب من ديارها، وفي زمن تُفرض فيه الإرادات بالقوة على القانون، نكون في أمس الحاجة إلى هذا النوع من الفلسفة: فلسفة نقدية لا تخشى مساءلة التراث، وتنطلق من موقع الضحية، وتستعيد صوت المهمشين في التاريخ.
لم أهتم بالفلسفة النقدية فقط ، بل تاريخ الأفكار، وفلسفة ما بعد الاستعمار، وحقوق الإنسان، والعدالة العالمية. كتاب يتحدى القراءات التقليدية ويدعو إلى إعادة التفكير في التراث الفلسفي من منظور تحرري نقدي
لا يعد كتاب “كانط وحقوق الشعوب” مجرد دراسة أكاديمية. إنه أداة نضال فلسفي في زمن تتسارع فيه إعادة إنتاج الاستعمار تحت غطاء القيم الكونية. إنه دعوة لقراءة الفلسفة بطريقة مختلفة: ليس كتأمل خالد في حقائق أبدية، بل كنتاج تاريخي يحمل بصمات الهيمنة والسلطة.
وحقا , “ليس العيب في أن نخطئ، بل العيب في أن نستمر في تقديس الأخطاء باسم الفلسفة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى