توبكُتّاب وآراء

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: محطات في حياتي •• المحطة السادسة والعشرون

حين تتحول الذكرى إلى منهج ..

في حياة كل إنسان محطات فارقة لا تُقاس بمرور الزمن بقدر ما تُقاس بعمق ما تتركه من أثر في النفس والعقل وبعض هذه المحطات لا يتشكل فقط من أحداث بل من شخصيات استثنائية تفرض حضورها وتبقى في الوجدان كمنارات تهدي الطريق وفي مسيرتي داخل المؤسسة العسكرية كانت هناك لحظة مفصلية ارتبطت باسم القائد الكبير محمد عبد الحليم أبو غزالة الذي لم يكن مجرد مسؤول عسكري بل نموذجاً متكاملاً للقائد المفكر والإنسان الذي يجمع بين الصرامة والوعي وبين الانضباط والرؤية .

البداية •• من الحياة المدنية إلى روح الانضباط

حين التحقت بالكلية الحربية كنت كغيري من الشباب أحمل ملامح الحياة المدنية وأتطلع إلى مستقبل لم تتضح ملامحه بعد ومع استقبالنا فى فترة الاستقبال بالكليه وفترة المستجدين من قِبل الدفعة (٧٦ حربية) بدأت ملامح التحول الحقيقي فقد كانت هذه الدفعة التي استقبلت دفعتنا (٧٩ حربية) دفعة الشهيد الفريق علي فائق صبور بمثابة المدرسة الأولى التي تعلمنا فيها معنى الانضباط وأسس الحياة العسكرية وقيم الانتماء لم يكن التعليم قاصراً على الأوامر أو التدريبات بل كان قائماً على المعايشة اليومية حيث تعلمنا من سلوكياتهم قبل كلماتهم ومن التزامهم قبل توجيهاتهم وهنا أدركت أن العسكرية ليست مهنة فحسب بل أسلوب حياة متكامل يقوم على النظام ويُبنى على التضحية .

لحظة خالدة •• المشاركة في عرض تخرج الدفعة ٧٦

من بين اللحظات التي لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة مشاركتي ضمن الطلبة الذين قدموا العرض العسكري في احتفالية تخرج الدفعة (٧٦ حربية) عام ١٩٨٣ كان المشهد مهيباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى حيث حضر الرئيس الراحل محمد حسني مبارك وكان على رأس القادة الحاضرين المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي في تلك اللحظة لم يكن العرض مجرد استعراض عسكري بل كان تعبيراً حياً عن قوة الدولة وهيبة مؤسساتها ورسالة واضحة بأن هناك أجيالاً جديدة تُعد لتحمل المسؤولية وتستكمل مسيرة العطاء .

كلمة القائد •• ميثاق شرف لا يُنسى

جاء فى مضمون كلمة المشير أبو غزالة في تلك المناسبة لتُجسد جوهر العقيدة العسكرية المصرية وكانت بمثابة ميثاق شرف يُسلم إلى الخريجين لم تكن كلمات مطولة لكنها كانت عميقة المعنى دقيقة التعبير ترسم لكل مؤسسة عسكرية دورها الوطني :

– الكلية الحربية : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وحملوا أمانة الدفاع عن الوطن في أشد الظروف .

– الكلية البحرية : حماة الحدود البحرية رجال الأعماق الذين لا يعرفون الخوف .

– الكلية الجوية : صقور السماء الذين يصلون إلى أبعد مدى دفاعاً عن السيادة المصرية .

– الكلية الفنية العسكرية : منارة وبوتقة العلم والتكنولوجيا حيث تتكامل المعرفة مع القوة .

– كلية الدفاع الجوي : الدرع الحصين الذي يحمي سماء مصر من كل تهديد .

– المعهد الفني للقوات المسلحة : السند الفني الذي يضمن الجاهزية الدائمة للقوات المسلحة .

كانت هذه الكلمات بمثابة رؤية استراتيجية مختصرة تؤكد أن قوة الجيش لا تقوم على السلاح فقط بل على التكامل بين الإنسان والعلم والانضباط .

أبو غزالة •• قائد من طراز فريد

منذ هذا التاريخ بدأت رحلة اهتمامي بشخصية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة فوجدت نفسي أمام نموذج استثنائي لقائد عسكري جمع بين الفكر والميدان فهو أحد أبرز قادة سلاح المدفعية وكان له دور فعال في تطويره كما شارك في حرب أكتوبر المجيدة عام ١٩٧٣ تلك الحرب التي أعادت لمصر كرامتها وهيبتها وتولى منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة في فترة دقيقة من تاريخ الوطن حيث عمل على تحديث القوات المسلحة وتعزيز قدراتها القتالية ولم يكن تميزه مقتصراً على الجانب العسكري بل امتد إلى الثقافة الواسعة حيث كان واسعه الثقافه ومتعدد اللغات ويمتلك قدرة عالية على التحليل والكتابة فضلاً عن حصوله على دورات عسكرية متقدمة في سن مبكرة وهو ما يعكس نبوغاً مبكراً ورغبة دائمة في التطوير .

لقد كان المشير أبو غزالة نموذجاً للقائد الذي يُدرك أن المعركة تبدأ من العقل قبل أن تنتقل إلى الميدان .

الدروس المستفادة •• حين تتحول التجربة إلى وعي

إن الوقوف أمام هذه التجرب وتأمل هذه الشخصية يفتح الباب لاستخلاص عدد من الدروس العميقة منها :

– أن القيادة ليست منصباً بل مسؤولية تتطلب علماً وخبرة وإنسانية .

– أن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية لأي مؤسسة ناجحة .

– أن الانضباط ليس قيداً بل هو الطريق نحو الحرية الحقيقية القائمة على الوعي .

– أن التاريخ العسكري ليس مجرد بطولات بل هو مدرسة مستمرة للتعلم .

توصيات •• نحو صناعة جيل قادر على حمل الأمانة

إن استحضار مثل هذه النماذج يفرض علينا مسؤولية تجاه الأجيال القادمة وهو ما يدفعني لتقديم مجموعة من التوصيات على النحو التالى :

أولاً : على مستوى الفرد

١- ضرورة الاستثمار في الذات من خلال التعلم المستمر والاطلاع على تجارب القادة العظام .

٢- التمسك بالقيم الأخلاقية باعتبارها الأساس الحقيقي لأي نجاح .

٣- تنمية مهارات التفكير والتحليل وعدم الاكتفاء بان تكون متلقى فقط .

ثانياً : على مستوى المؤسسات التعليمية

١- التركيز على بناء الشخصية المتكاملة وليس فقط إعداد الكوادر الفنية .

٢- تعزيز مفهوم القدوة داخل المؤسسات من خلال إبراز النماذج المشرفة .

٣- ربط التعليم النظري بالتطبيق العملي بما يعزز الفهم ويعمق الخبرة .

ثالثاً : على مستوى المجتمع

١- نشر ثقافة احترام القوات المسلحة وتقدير دورها في حماية الوطن .

٢- دعم الشباب وتوفير البيئة التي تساعدهم على الإبداع والتميز .

٣- ترسيخ قيم الانتماء وربط الأجيال بتاريخهم الوطني .

حين تصنع الذكرى مستقبلاً

إن بعض المواقف في حياتنا لا تمر مرور الكرام بل تترك بصمة تُعيد تشكيل وعينا وتُحدد مسارنا وكانت مشاركتي في ذلك العرض العسكري واستماعي إلى كلمة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة واحدة من تلك اللحظات التاريخيه التي صنعت فارقاً حقيقياً في حياتي .

لقد أدركت حينها أن القيادة ليست قوة تُمارس بل قيمة تُجسد وأن القائد الحقيقي هو من يزرع في نفوس من حوله الإيمان بالوطن والقدرة على التضحية من أجله .

وهكذا لم يعد المشير أبو غزالة بالنسبة لي مجرد اسم في سجل القادة بل أصبح رمزاً للقدوة وعنواناً لمعنى القيادة الواعية ومن هنا فإن استحضار هذه النماذج لا يجب أن يكون مجرد استدعاء للماضي بل توظيفاً له في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

فالأمم لا تنهض إلا بسواعد أبنائها ولا تستمر إلا بوعي قادتها وبين السواعد والوعي تبقى القدوة هي الجسر الذي يعبر بنا إلى واقع ارحب وغدٍ افضل .

كاتب المقال : لواء د. أحمد زغلول مهران .. المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: الأرصفة تقرأ •• والمولات تبيع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى