الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: مسلسلات بطعم الكامنجه
في كلِّ عام، حين يُطلُّ هلال رمضان على الشَّاشات المصريَّة، يتحوَّل الإيثير إلى ميدانٍ لمعركةٍ صوتيَّة لا يُعلَن عنها، بطلتُها الدَّائمة أوتار الكمان المرفوعة إلى أقصى طاقاتها الحادَّة، كأنَّها جاءت لتُنافس الممثِّلين على حظِّهم من الأضواء.
علَّمنا أساتذتنا في فنون الإخراج التلفزيوني الدِّرامي أنَّ الموسيقى التَّصويريَّة إضافةٌ للمشهد، رديفٌ صامت يعمِّق الأثر ويُسنِد الحالة الشُّعوريَّة دون أن يطغى على الصُّورة أو يخطف المتفرِّج من اللَّحظة الدِّراميَّة. غير أنَّ ما تشهده مسلسلاتنا الرَّمضانيَّة اليوم يُعلن تمرُّداً صريحاً على هذا المبدأ، إذ تنقضُّ أنغام الكمان على المشاهدين كما تنقضُّ على الممثِّلين معاً — لا تُكمِّلهم بل تُزاحمهم، ولا تُساندهم بل تُسكِتهم. فلتسقط أنغام الكمان!
لا أبالغ حين أقول إنَّ صوت الكمان الحادَّ بات هويَّةً موحَّدةً لمسلسلاتنا الرَّمضانيَّة. يفتح المشاهد شاشته على أيِّ مسلسل، فيستقبله هذا الأنين الوتريُّ المتصاعد كمن يفتح نافذةً على ضجيج الشَّارع. وهذا الصَّوت الحادُّ صار شارةً لا لمسلسل بعينه، بل لكلِّ مسلسل. والأدهى أنَّ هذه الموسيقى لا تُصاحب الحالة الدِّراميَّة بل تُسبقها، تُعلن عن الحزن قبل أن تجري دمعة، وعن التَّوتُّر قبل أن تُنطق كلمة، كمن يقف عند باب المسرح يُخبر الجمهور بما سيحدث داخله، فيحرمه من لحظة الاكتشاف.
التَّراجيديا الهنديَّة.. وشعبٌ يحتاج إلى البسمة
لو أخمدنا هذا الكمان الصَّاخب ساعةً واحدة، لسمعنا حوار مسلسلاتنا كما هو؛ فوجدنا أنفسنا في معظمه أمام مسلسلات هنديَّة مُعرَّبة، شديدة التَّأثُّر بالتَّراجيديا ووجع القلب. عصاباتٌ تسيطر على الأحياء، وخاطفو أطفال يتربَّصون بالأسر، ورجال أعمال في مصارعات لا تنتهي لا علاقة لها بواقع الإنسان المصري البسيط. نحن شعبٌ يختزن في صدره روح الكوميديا، ويحتاج إلى البسمة والأمل والبُعد عن كلِّ هذا الثِّقل.
أين غابت الأسرة المصريَّة عن شاشتها؟
الأسرة المصريَّة الحقيقيَّة كادت تختفي من الشَّاشة التي كانت يوماً مرآتها الأمينة. أين ذهبت الجدَّة بحكاياتها، والجار بمشاغباته، والأب بحيرته بين سلطته الموروثة ومتطلَّبات زمنٍ لا يتوقَّف؟ الشَّعب المصري يبحث عن جذوره لا عن تغريبه وتهميشه.
“جدو والعيلة”.. حين يعود الأصيل
من هذا المنطلق تحديداً وُلدت فكرة مسلسلي الإذاعي “جدو والعيلة في رمضان”، المُذاع على أثير إذاعة مصر الأولى، بطولة النُّجوم الكبار عفاف شعيب وسامح الصَّريطي وندى بسيوني،و احمد الرافعي وإخراج المبدعة دعاء حسنين. وكان صدى المسلسل راقياً ومتميِّزاً لأنَّه لم يُراهن على الصَّدمة ولا على الإبهار الصَّوتي المفتعل، بل راهن على الحقيقة الإنسانيَّة البسيطة التي تسكن كلَّ بيت مصري، وأثبت أنَّ الشَّعب المصري حين يجد نفسه في عملٍ فنِّي لا يُعرِّض عنه.
رسالةٌ إلى صُنَّاع الدِّراما
أنصتوا إلى الصَّمت أحياناً، دعوا الصُّورة تتنفَّس والممثِّل يملأ الشَّاشة بصدقه، وأعيدوا الأسرة المصريَّة إلى مركز الحكاية. وأخفِّضوا الكمان درجةً أو درجتين — أو أطفئوه تماماً واسمعوا ما يقوله ممثِّلوكم. فالدِّراما الحقيقيَّة لا تحتاج إلى من يُخبر المشاهد بما يجب أن يشعر به، بل تأخذه من يده بهدوء وتتركه يكتشف وحده لماذا دمعت عينه أو ارتسمت على شفتيه ابتسامة.
وايامكم كلها اعياد .
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: لا تبيع زيت الطعام المستعمل




