خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: تتار العصر لن يحترموا الدرع الأزرق
الأمم اللقيطة التى تهدم وتتميز بالدموية لا تستهدف فى غزواتها وحملاتها واعتداءاتها القدرات العسكرية أو البنى الاقتصادية للدولة المعتدى عليها، بل تمتد أياديهم القذرة لتطال ذاكرة الشعوب وهويتها الحضارية. فالحملة الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وفق ما يتردد فى تقارير وتحليلات متعددة، لم تكتفِ بضرب المواقع الاستراتيجية، بل تجاوزت ذلك إلى استهداف ممنهج للتراث الثقافى والمعالم التاريخية، خاصة فى مدن عريقة مثل أصفهان وطهران، بما تحويه من قصور ومساجد ومدن مدرجة على قوائم اليونسكو.
هذا النمط من الاستهداف لا يمكن قراءته إلا باعتباره محاولة لضرب العمق الحضارى لإيران، وهى حضارة تمتد جذورها لأكثر من ستة آلاف عام، ما يجعلها واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية المستمرة. فقد نشأت هذه الحضارة عبر تعاقب الإمبراطوريات الفارسية الكبرى، من الأخمينية إلى البارثية ثم الساسانية، قبل أن تتشكل الدولة الإيرانية الحديثة.
وعلى الرغم من تغير الأنظمة السياسية عبر القرون، ظلت إيران محافظة على إرثها الثقافى العميق، فى تناقض صارخ مع دول حديثة النشأة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التى لا يتجاوز عمرها نحو 250 عامًا منذ إعلان استقلالها فى 4 يوليو 1776، أو إسرائيل التى لم يمضِ على تأسيسها سوى عقود قليلة.
إن استهداف التراث ليس مجرد خسارة مادية، بل هو محاولة لطمس الهوية وإعادة كتابة التاريخ بالقوة. وهو ما يعيد إلى الأذهان مشاهد دامية من التاريخ، لعل أبرزها ما ارتكبه التتار خلال سقوط بغداد 1258، حين لم يكتفوا بقتل السكان، بل تعمدوا تدمير الإرث العلمى والحضارى للأمة الإسلامية. فقد كانت مكتبة بغداد العظيمة، وعلى رأسها بيت الحكمة، تمثل أعظم مركز علمى فى العالم آنذاك، أسسها الخليفة هارون الرشيد وازدهرت فى عهد المأمون.
هذه الدار لم تكن مجرد مكتبة، بل كانت مركزًا حضاريًا جمع علوم الدين والدنيا، من الطب والفلك والهندسة إلى الفلسفة والأدب والاقتصاد. وقد ضمت ترجمات لعلوم الأمم الأخرى، حتى أصبحت بحق معجزة علمية فى زمنها. لكن هذا الإرث الهائل انتهى بمشهد مأساوى، حين أُلقيت ملايين الكتب فى نهر دجلة، حتى قيل إن مياهه اسودّت من كثرة الحبر، فى صورة تجسد الفارق الحضارى بين أمة تبنى وأخرى تهدم.
اليوم، يتكرر المشهد بشكل مختلف. فإيران، فى محاولة لحماية ما تبقى من تراثها، اضطرت إلى وضع علامة «الدرع الأزرق» على أكثر من 120 موقعًا أثريًا، وهى إشارة دولية للحماية بموجب اتفاقية لاهاى 1954. هذه العلامة ليست وسام شرف، بل صرخة استغاثة تقول للعالم: هنا تاريخ إنسانى لا يُعوَّض.
نحن لا نتحدث عن مبانٍ حجرية، بل عن إرث حضارى يمتد من عظمة الأخمينيين إلى فنون الساسانيين، ومن إبداعات العصور الإسلامية إلى روائع الدولة الصفوية والقاجارية. نتحدث عن مواقع مثل برسبوليس وساحة نقش جهان، التى تمثل ذاكرة الإنسانية بأسرها، لا إيران وحدها.
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط حجم الخطر، بل حالة الصمت الدولى. أين دور اليونسكو؟ وأين خطط الطوارئ لحماية هذا التراث؟ ولماذا يغيب حتى الحد الأدنى من الإدانة أو التحرك الجاد؟
إن ما يحدث يعكس أزمة أعمق تتعلق بانهيار فاعلية القانون الدولى، وعجز المؤسسات الأممية عن أداء دورها فى مواجهة القوى الكبرى. ففى عالم تحكمه موازين القوة، يبدو أن التراث الإنسانى نفسه لم يعد محصنًا، وأن القيم التى طالما تغنى بها المجتمع الدولى باتت عرضة للتآكل.
السؤال الذى يفرض نفسه الآن: هل سيقف العالم متفرجًا حتى تتحول هذه المواقع إلى مجرد صور فى كتب التاريخ؟ المؤشرات لا تدعو للتفاؤل. ففى زمن تغيب فيه العدالة الدولية، وتعلو فيه لغة القوة، يبدو أن البشرية تواجه خطر فقدان جزء من ذاكرتها، فى صمتٍ يكاد يكون تواطؤًا.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين يصبح جيب المواطن هو الحل الأسهل!!




