جوستاف لوبون، طبيب ومؤرخ فرنسي، ولد في 7 مايو 1841 . وتوفي في ولاية مارنيه لاكوكيه، بفرنسا يوم 13 ديسمبر 1931.
ولد في مقاطعة نوجيه لوروترو بفرنسا عام 1841م..عمل في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، كتب في علم الآثار وعلم الإنثروبولوجيا وعني بالحضارة الشرقية.
من أشهر آثاره حضارة العرب، وحضارات الهند، و«باريس 1884» و«الحضارة المصرية» و«حضارة العرب في الأندلس» و«سر تقدم الأمم» و«روح الاجتماع» الذي كان إنجازه الأول.
يُعد المؤرخ والطبيب الفرنسي جوستاف لوبون من المنصفين الغربيين القلائل الذين أشادوا بالحضارة الإسلامية، حيث كسر الصورة النمطية السلبية للاستشراق في عصره.
وفي كتابه الشهير “حضارة العرب”، أثنى على إنجازات المسلمين في العلوم والآداب، واعتبر الإسلام دينًا راقيًا رفع مكانة المرأة، خلافًا للاعتقاد السائد، مؤكدًا أن الإسلام هو من منحها حقوقًا لم تعرفها المسيحية الغربية في ذلك الوقت.
هو أحد أشهر فلاسفة الغرب وأحد الذين امتدحوا الأمة العربية والحضارة الإسلامية.
رفض جوستاف لوبون السير على نهج معظم مؤرخي أوروبا، حيث اعتقد بوجود فضلٍ للحضارة الإسلامية على العالم الغربي.
درس الطب، وقام بجولة في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا،واهتم بالطب النفسي وأنتج فيه مجموعة من الأبحاث المؤثرة عن سلوك الجماعة، والثقافة الشعبية، ووسائل التأثير في الجموع، ما جعل من أبحاثه مرجعًا أساسيًّا في علم النفس، ولدى الباحثين في وسائل الإعلام في النصف الأول من القرن العشرين.
أنوار رمضانية ( 19) الإسكتلندي توماس كارليل: نور الله سطع فى روح محمد.. وهذا سر حبي لـ النبي
من أشهر فلاسفة الغرب الذين أنصفوا الأمة العربية والحضارة الإسلامية، فلم يَسِر على نهج مؤرخي أوروبا الذين صار من تقاليدهم إنكار فضل الإسلام على العالم الغربي.
لوبون الذي ارتحل في العالم الإسلامي وله فيه مباحث اجتماعية، أقرَّ أن المسلمين هم مَن مدَّنوا أوروبا، فرأى أن يبعث عصر العرب الذهبي من مرقده، وأن يُبديه للعالم في صورته الحقيقية؛ فألّف عام 1884م كتاب «حضارة العرب» جامعًا لعناصر الحضارة العربية وتأثيرها في العالم، وبحث في أسباب عظمتها وانحطاطها وقدمها للعالم تقديم المدين الذي يدين بالفضل للدائن.
أعظم من عرفهم التاريخ
تناول لوبون شخصية الرسول صلّ الله عليه وسلم في كتابه حضارة العرب بعد هجرته إلى المدينة المنورة تحت عنوان: (محمد بعد الهجرة).
كان محمد ذا أخلاق عالية، وحكمة، ورقة قلب، ورأفة، ورحمة، وصدق وأمانة.
وقال :إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم، كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا، مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله.
يشيد لوبون بتنظيم الحياة في كافة الجوانب وَفْق نظم الشريعة الإسلامية التي يصفها بشؤون دينه وهذه حقيقة أن الحياة في الحضارة الإسلامية وَفْق شؤون الشريعة الإسلامية التي مصدرها الأول هو القرآن الكريم الذي كان يتنزل على محمد صلّ الله عليه وسلم في كل صغيرة أو كبيرة تواجهه طيلة حياته وحتى أكمل الله دينه، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ “المائدة: 3”.
يقول لوبون: (شرع محمد منذ وصوله إلى المدينة ينظم شؤون دينه، وأخذ القرآن الذي كان في طور التكوين يكتمل بفضل توافر نزول الوحي على محمد في جميع الأحوال الصعبة خلا مبادئه الإنسانية).
قال: وضعت شعائر الإسلام بالتعاقب؛ فسُنَّ الأذان لدعوة المؤمنين إلى الصلوات الخمس، وفُرض صوم شهر رمضان؛ أي: الامتناع عن الطعام من الفجر إلى غروب الشمس شهرًا كاملًا، وفُرِضَت الزكاة التي يُعين المسلم بها الدين الذي أُقيم.
غزوة مهمة
يشيد لوبون بشخصية الرسول صلّ الله عليه وسلم بكونه قائدًا يشارك بنفسه في المعارك:
“وصار محمد بعد وصوله إلى المدينة يقود الغزوات بنفسه، أو بواسطة أحد أصحابه، وغزوة بدر التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة هي أولى الغزوات المهمة، ففيها انتصر جنود محمد، الذين لم يزيدوا على”٣١٤”مقاتلًا، والذين لم يكن بينهم سوى ثلاثة فرسان، بينما أعداؤهم كانوا ألف مقاتل، فكانت هزيمة أعداء النبي التامة في بدر فاتحة شهرته الحربية.
النبي وخصومه
وبكل إنصاف وحياد تام يتناول “لوبون” تعامل الرسول مع خصومه أثناء الحرب التي يصفها بالاعتدال، ويستثني مرة واحدة مع اليهود الذين خانوا العهد، وتحالفوا مع عدو محارب، وهذه العقوبة تُعرَف بالخيانة العظمى، وعقوبتها لا تختلف عن عقوبة الرسول صلّ الله عليه وسلم هؤلاء الخونة.
ويقول: إن محمدًا كان يتحلَّى برباطة جأش وقت الشدائد واعتدال وقت الانتصار، وهذه الصفات لا تتوفر إلّا في قائد عظيم بعيد عن القسوة أو حب الانتقام صلّ الله عليه وسلم.
أنصف لوبون حين تناول فتح مكة، وكان أمينًا في نقل أقوال المفاوضين المفوضين من قريش في صفات الرسول صلّ الله عليه وسلم في محاولتها اليائسة لصدِّه عن دخول مكة.
وعظم شأن محمد في عدة سنين، وأصبح لا بد له من فتح مكة حتى يعم نفوذه، ورأى أن يفاوض قبل امتشاق الحسام وصولًا إلى هذا الغرض، فجاء إلى هذا البلد المقدس ومعه (١٤٠٠) من أصحابه ولم يكتب له دخوله، وقد دُهش رُسُل قريش من تعظيم أصحابه له، فقال أحدهم: إني جئت كسرى وقيصر في ملكهما، فوالله ما رأيت ملكًا في قومه مثل محمد في أصحابه.
صفات النبي
ونقل لوبون في كتابه حضارة العرب العديد من أوصاف الرسول صلّ الله عليه وسلم نُقلت عن الصحابة وأكَّد عليها اعترافًا صريحًا بما كان يتمتع به رسولُ الإسلام من صفات حميدة وتصرفات نبيلة (ويُضاف إلى الوصف السابق ما رواه المؤرِّخون العرب الآخرون من أن محمدًا كان شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير صموتًا، حازمًا سليم الطويَّة، عظيم العناية بنفسه، مواظبًا على خدمتها حتى بعد اغتنائه.
شجاعة وصبر النبي
وفي تناوله لشجاعة الرسول وصبره على المشاق يقول: إنه ثابت عالي الهِمَّة في لين ودعة، وكان مقدامًا في غير تهوُّر، يُعلِّم أتباعه الشجاعة والإقدام، وهو ما قاله: الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلّ الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا؛ رواه أحمد وابن أبي شيبة.
“وكان محمد صبورًا قادرًا على احتمال المشاق ثابتًا بعيد الهمَّة ليِّن الطبع وديعًا ، ومقاتلًا ماهرًا، وكان لا يهرب أمام المخاطر ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في طاقته لإنماء خلق الشجاعة والإقدام في بني قومه”.
فطنة النبي
وفي توكيده على فطنة الرسول صلّ الله عليه وسلم التي يؤكد عليها سواء كانت آتية من خلفية علمية أو بفطرة الله التي فطره عليها فهي تذكرة بفطنة وذكاء نبي بني إسرائيل سليمان بن داوود عليهما السلام.
وكان محمد عظيم الفطنة سواء أكان متعلمًا أم غير متعلم، وتذكرنا حكمته بما عزته كتب اليهود إلى سليمان.
حكمة النبي .. وسادة قريش
وعن حكمته في شبابه ينقل حادثة وضع الحجر الأسود، وكيف تصرف بحكمةٍ حقَنَ بها الدماء وأرضى الجميع، لم ينحزْ لطرفٍ على حساب طرف ليزداد هو شرفًا ومكانة بين سادة قريش وأقطابها الكِبار.
شاءت الأقدار أن يكون محمد وقد كان شابًّا حكيمًا بين أقطاب قريش الذين كادوا يقتتلون حين اختلفوا فيمن يضع في أحد جوانب الكعبة، ذلك الحجر الأسود الشهير الذي كان العرب يعتقدون أن ملكًا جاء به من السماء إلى إبراهيم؛ فقال محمد الشاب أمام الخصوم الذين أوشكوا أن يلجؤوا إلى السلاح: هَلُمُّوا إليَّ ثوبًا، فأتي به، فنشره وأخذ الحجر الأسود ووضعه بيده فيه، ثم قال: ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف من أطراف الثوب، فحملوه جميعًا إلى ما يُحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه، وانحسم الخلاف.
توحيد العرب
يثني لوبون على قيام الرسول صلّ الله عليه وسلم بتوحيد العرب على دين واحد وتحت قيادة موحَّدة وهو ما اعتبره آيةً كبرى.
فقد جمع محمد قبل وفاته كلمة العرب، وخلق منهم أمة واحدة، خاضعة لدين واحد، مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى، لم يتحقق في الديانتين اليهودية والنصرانية اللتين سبقتا الإسلام.
ومهما يكن من أمر فإن مما لا ريب فيه أن محمدًا أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية؛ ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيمًا.
وإذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ.
أقواله
* حضارة العرب المسلمين أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا.
* فتوحات العرب والقوة- في حد ذاتها- لم تكن عاملا في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارا في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض أقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل.
* جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه.
* أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها.. وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين.
* العرب علموا الغرب، التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان.. ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبةً
*الجماهير تُقاد بالعاطفة والخيالات لا العقل، وأن القوة والإيهام هما أدوات السيطرة.
* الحقيقة لا تهم العامة بقدر ما تهمهم الأوهام، وأن القيادة تتطلب ذكاءً وقدرة على توجيه العواطف.
* الاسلام حسن حال المرأة كثيراً، وأنه أول دين رفع شأنها، وأن المرأة في الشرق أكثر احتراماً وثقافة وسعادة منها في أوروبا على العموم.
* القرآن منح المرأة حقوقا إرثية بأحسن مما في قوانيننا الأوروبية.
* من الأدلة على أهمية النساء أيام حضارة العرب كثرة من اشتهر منهن بمعارفهن العلمية والأدبية، فقد ذاع صيت عدد غير قليل منهن في العصر العباسي في المشرق والعصر الأموي في أسبانيا”.
* اللذة والألم عاملان أساسيان في استمرار حركة و نشاط البشر.. جذب اللذة و اجتناب الألم كالجنة والجحيم والعقاب والثواب.
* “الحب والجوع” المحركان الأساسيان للعالم، فـ الحب أشد العواطف قوة وتغلباً على النفس البشرية.
*دور المرأة في الحب قد يتضمن “الخيال” والكذب، وهو أداة للحفاظ على سلطتها على الرجال.
موضوعات متعلقة
أنوار رمضانية (21).. الألماني يوهان جوته: القرآن كتاب وحي لكل زمان ومكان
أنوار رمضانية (13) الفرنسي رينيه جينو .. سر إسلامه.. آخر كلماته.. وماذا قال لزوجته قبل الوفاة
أنوار رمضانية ( 14) الألماني ويلفريد هوفمان.. سائق جزائري غيّر مساره .. وجرّاح تنبأ له بنهاية سعيدة




