الإعلامي حمدي رزق يكتب: طائر الصحافة القومية المغرد
الارتكان لمقولة “للبيت رب يحميه” في سياق الهجمات المتكررة على الصحافة القومية، لا يستقيم شكلا ولا موضوعا .
لقد صبرت الصحافة القومية طويلا على الأذى، ولم تنبس ببنت شفة، ما أغرى البعض بالمزيد، وصارت الصحافة القومية لبانة في أفواه لا تميز حتى رائحة أفواهها..
قالوا الصحافة القومية ماتت، وشبعت موتا، وشيعتها ثورة يناير إلى مرقدها الأخير، يوم علق إخوان الشيطان وتابعيهم صور كبار صحفييها وكتابها على أعواد المشانق في ميدان التحرير، وصوّبوا على قلبها سهامهم المسمومة، ووصموها بكل نقيصة، وأهانوا تاريخها، ورموزها، ورسموا إصداراتها مسوخًا .. لهم فيها مآرب أخرى.
ورغم أنهم لم يظفروا بغنيمتهم، ولم يشيعوا جنازتها، ولم يكتبوا نهايتها، وظلت مانشيتاتها ومقالاتها تقض مضاجعهم، وتقلق راحة مموليهم .
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار، وبرغم الريح المعاكسة ، مجمع مديونيات واستحقاقات حان وقت سدادها ، الصحافة اليومية تسدد فواتير عقود مضت في زمن العثرة .
وبرغم الجو الماطر والإعصار الإخواني الذي ضرب الصحافة القومية، ومخطط جلبها لبيت الطاعة (مكتب الإرشاد)، قاوم شرفاء الصحافة القومية الاحتلال الإخواني البغيض، وكانوا رجاله ووقفوا وقفة رجاله، في ظهر وطنهم، لم يختانوا شعبهم يومًا في المضاجع الإخوانية.
الهجمات المرتدة على الصحافة القومية التي تشنها منصات إخوانية عقورة، ويتماهى معها نفر من المؤلفة جيوبهم، باتت مفضوحة ورائحتها نفاذة، وتحدثك عن ماضٍ تولى، وتتشح زورًا وبهتانًا بحكي مخاتل عن تقادم الصحافة القومية، موضة قديمة جاوزها الذكاء الاصطناعي، والمستقبل لحوانيت الصحافة التي تمولها كارتلات مالية ترشح نفسها عنوة بديلا عن صحافة علمت ولا تزال تعلم أجيالًا كيف يكون الدفاع عن الحياض المقدسة دون حساب للمكاسب الوقتية والأرباح الساخنة.
بالسوابق صفت هذه الحوانيت في صف إخوان الشيطان، ومانشيتاتها ومقالاتها وتوجهاتها محفوظة في الذاكرة الإلكترونية لمن يراجع ما تيسر من سيرة حوانيت الصحافة التي كانت مثل كعب أخيل الذي نفذت منه السهام المسمومة إلى قلب الوطن.
الحقائق وبالأرقام وهي لدينا، مؤسسة صحفية قومية واحدة تطبع وتوزع في يوم واحد أضعاف أضعاف حوانيت الصحافة مجتمعة، والأرقام لدينا فاضحة وتفضح كل هماز مشاء بنميم ، ومنصاتها الإلكترونية تنافس ما استطاعت إليه سبيلًا منصات ثرية، ينفقون على شراء المشاهدات إنفاق من لا يخشى الفقر، الصحافة القومية لا تشتري ولا تبيع الوطن، ولا ترتضي بغير الوطن بديلًا.
الصحافة القومية التي يسخرون منها ويتندرون على مانشيتاتها لم تبع نفسها يوما في سوق النخاسة الصحفية، ولم تسبح يومًا بحمد المرشد، ولم تحج يومًا إلى مكتب الإرشاد، ولم تبع نسخها بالجملة والقطاعي لمن يدفع أكثر.
صحافتنا القومية التي منها يسخرون، صحافة وطن، وقبلتها الوطن، وتقف زنهار تحيي العلم والنشيد ، ولم ترهن إرادتها يوما، وينسحب عليها قولا كريما: تجوع الحرة، وبقية المقولة تتحدث عنها الركبان في سوق الصحافة التي تشغى بالحوانيت المستأجرة بالجدك، والإيجار بالجدك (أو بيع الجدك) هو استثناء قانوني يجيز للمستأجر بيع المتجر بكامل عناصره المادية والمعنوية ( مانشيتات ، ومقالات ، و اسم تجاري) حتى مع وجود حظر للتنازل أو الإيجار من الباطن في العقد، لن أحدثك عن الإيجار من الباطن أو الإيجار مفروش في سوق الصحافة، هذا مثل وسخ الودان!
التقلصات المعوية التي تصيب بعض المتنفذين صحفيا واعلاميا في غفلة زمنية إلي طبقات السلطة العليا من أصحاب الحوانيت الصحفية، الغصة في الحلوق من محاولات إحياء الصحافة القومية، وسعيهم الدءوب لإجهاض التجربة التي يجتهد في إنجازها نخبة من المؤتمنين على تراثها العريض، عرض لمرض عضال، والغرض مرض، فحسب يتعجلون قبر الصحافة القومية، وتشييعها ليخلو لهم وجه أبيهم الذي يحدثهم من وراء حجاب.
لسنا في مجال مقارنة ولا حتى مقاربة، فارق كبير بين حانوت له حساباته الخاصة علي بضاعته الحاضرة ، وبين مؤسسات عملاقة تشكل داعمًا رئيسًا لتوجهات وطن في لجة موج سياسي صاخب، بين من يمن على الوطن بمانشيت مخاتل لهم فيه مآرب أخرى، وبين جنود مجندة في حب وطن يستحق الخلود.
التقلصات المعوية خلقت ما يشبه الارتكاريا، طفح جلدي أحمر أو بلون الجلد يسبب حكة شديدة، تظهر فجأة نتيجة رد فعل تحسسي يطلق الهيستامين، والهيستامين مادة كيميائية يفرزها جهاز المناعة، معروف بشكل أساسي بدوره في التسبب في أعراض الحساسية المفرطة من الصحافة القومية.
ترفع كبار كتاب الصحافة القومية عن الاشتباك مع أصحاب الحوانيت، بحسب لهم، رفع ذيل الثوب من الوحل يتعلق بأحكام المظهر ، لا يجرون ثيابهم في الطرقات الزلقة، ولكن هذا للأسف يغري من في قلبه مرض .
عفوا الهجوم بالمسيرات الإلكترونية على المؤسسات الصحفية القومية ما لا يصح السكوت عليه، سكتنا له دخل بحماره، واللي عمل ظهره قنطرة يستحمل الدوس، وهم يدوسون في قلب الصحافة القومية ببجاحة تصل حدود الوقاحة، ولا يرتدعون.
أهل مكة أدرى بشعابها، والمؤتمنون على الصحافة القومية أدرى بشئونها، لا يحتاجون دروسًا خصوصية في النقلة الرقمية، وما ينفق على التحديث والتطوير في المؤسسات القومية لا تقدر عليه موازنة الحوانيت التي ترتسم على ناصية الفضاء الإلكتروني زعمًا بأنهم مؤثرون، ونافذون، ومطلعون على الصحافة العالمية التي لا تزال كبريات مؤسساتها تطبع وتوزع وفق منظور استثماري يؤلف بين المطبوع والرقمي في غرف مدمجة.
لم يفت الصحافة القومية القطار الإلكتروني، لحقت به، وتجتهد في حجز مكانها اللائق بتاريخها وإرثها وحاضرها ومستقبلها، وهذا ما يقلق راحة محتكري الحقيقة الرقمية المطلقة .
بَرَزَ الثَعلَبُ يَوماً ، في شِعارِ الواعِظينا ،
ظنوا يوما أن الصحافة القومية ماتت وشبعت موتا، ولكنها مثل ( طائر الفينيق ) حسبما يُسمى في الميثولوجيا الإغريقية، طائر عجيب يجدد نفسه ذاتيا، يولد من رماد احتراق جسده.
هكذا يمكن وصف الصحافة القومية، كلما استهدفت بقصف مميت، تولد من قلب الرماد تغرد بشكل عجيب.
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: صورة الشيطان الإخواني!




