كتب- صابر رمضان
ولد المستشرق الفرنسي «لويس سيديو» عام 1808 ميلادية في باريس، وتوفي 1876م.
وكان والده «جان جاك إمانويل سيديو»- المتوفى سنة 1832م- وأحد المستشرقين الذين اهتموا بدراسة التراث الشرقي.
تخرج لويس سيدو في كلية هنري الرابع، وعين مدرسا للتاريخ في كلية «بوربون» سنة 182، واتجه إلى دراسة التاريخ العربي والإسلامي، وألف كتاب «Histire des Arabes» بالفرنسية، وقد أشرف علي مبارك باشا على ترجمته إلى العربية، وسماه «خلاصة تاريخ العرب العام».. وتوفي سيدو في باريس سنة 1876.
وصف المؤرخ والمستشرق الفرنسي لويس سيديو (Louis Sedillot) النبي محمد صلّ الله عليه وسلم، بأنه “سياسي محنك” وعبقري، مشيداً بقدرته على توحيد العرب وإرساء دعائم دولة قوية، ومسلطاً الضوء على أحداث الهجرة وإسلام عدد من علماء اليهود في المدينة بعد أن عرفوه بصفاته الواردة في كتبهم.
أهم نقاط لويس سيديو حول النبي صلّ الله عليه وسلم.
السياسة والحنكة:
أشار “سيديو” إلى أن النبي محمد استطاع، خلال فترة وجيزة، إحداث تغيير جذري في الجزيرة العربية، محولاً إياها من قبائل متناحرة إلى أمة موحدة.
الهجرة والمدينة:
أبرز سيدو أهمية هجرة النبي صلّ الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، واصفاً إياها بنقطة التحول التاريخية، وذكر كيف آمن به خيار علماء اليهود حينما عرفوه.
سيدو .. والقرآن
ويؤكد المستشرق الفرنسي “لويس سيدو” على الفضائل التي جاء بها القرآن الكريم وحث عليها فيقول: لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله تعالى… وفيه حث كبير على الفضيلة من خلال تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي، وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعُجب والغضب.
وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهد حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم لا لعنهم، ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة المملوءة حكمة ورشدًا لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن.
من أمة مجهولة إلى آفاق الدنيا
وفي كتابه «خلاصة تاريخ العرب العام» سجل لويس سيدو عدة شهادات منصفة لنبي الإسلام صلّ الله عليه وسلم، ويقول في إحدى هذه الشهادات المنصفة:
( لقد حل الوقت الذي توجه فيه الأنظار إلى تاريخ تلك الأمة التي كانت مجهولة الأمر في زاوية من آسيا فارتقت إلى أعلى مقام فطبق اسمها آفاق الدنيا مدة سبعة قرون.
ومصدر هذه المعجزة -كما يقول- هو رجل واحد، هو محمد «صلّ الله عليه وسلم»).
في مقدمة الصفوف
وفي الكتاب نفسه يشير لويس سيدو إلى أن ما أكثر ما عرض محمد «صلّ الله عليه وسلم» حياته للخطر انتصاراً لدعوته في عهده الأول في مكة، وهو لم ينفك عن القتال في واقعة” أحد” حتى بعد أن جرح جبينه وخده وسقطت ثنيتاه.. وهو قد أوجب النصر بصوته ومثاله في معركة حنين.
ومن الحق أن عرف العالم كيف يحيي قوة إرادته ومتانة خلقه.. وبساطته، ومن يجهل أنه لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش، وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض..
ويضيف : كان «صلّ الله عليه وسلم» حليماً معتدلاً، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه، وكان يستقبل بلطف ورفق جميع من يودون سؤاله، ويُسحر بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث.. وكان لا يتكلم إلا قليلًا فلا ينُم ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له..
وكشف «صلّ الله عليه وسلم» عن أنه سياسي محنك.
أنوار رمضانية ( 19) الإسكتلندي توماس كارليل: نور الله سطع فى روح محمد.. وهذا سر حبي لـ النبي
معاناة وإيذاء
وفي شهادة أخرى يقول لويس سيدو: بدت في بلاد العرب أيام محمد «صلّ الله عليه وسلم» حركة غير مألوفة من قبل، فقد خضعت لسلطان واحد قبائل العرب الحريصة على استقلالها والفخورة بحياتها الفردية، وانضم بعض هذه القبائل إلى بعض فتألفت أمة واحدة.
وعقب هجرة نبي الإسلام «صلّ الله عليه وسلم» من مكة إلى المدينة أسلم عدد من خيار علماء اليهود في المدينة، صدقوا بمحمد «صلّ الله عليه وسلم» واتبعوه بعد أن عرفوه بنعته الوارد في كتبهم، منهم الحبر اليهودي العلامة عبدالله بن سلام.
ويضيف سيدو: لقد استطاع النبي محمد – صلّ الله عليه وسلم- بعد حوالي 19 سنة- كلها معاناة وإيذاء من المشركين- أن ينتزع من قريش صلحاً سمي صلح الحديبية في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة، ليتفرغ للدعوة ونشر الرسالة، فبعث رسلًا سفراء من أصحابه، وكتب معهم كتباً إلى الزعماء والملوك، يدعوهم فيها إلى الإسلام، في رسائل وخطابات رفيعة المستوى، سامقة الذوق.. ونجح النبي صلّ الله عليه وسلم- في دعوته على نطاق واسع.
وَيضم كتاب «خلاصة تاريخ العرب» حكايات مُختصَرة مِن تاريخِ أُمةِ العرب، منذُ الفترةِ التي سَبقَت البَعْثة النبوية حتى بداياتِ القرنِ التاسعَ عشرَ الميلادي.
وقد حَرصَ مؤلِفه الفرنسي أنْ يوضح بيان فضلِ العرب على الحضارةِ الإنسانية، مُقابل ما دأبَ عليه الكثيرُ مِن المستشرقين مِن ترديد الاتهاماتِ الباطلةِ والمُجحِفة للعربِ والمُسلمِين، فكثيرًا ما نَسبوا إليهم ما ليس بِهم مِن صفات، مُتجاهِلين ما قدَّمه علماءُ العربِ ومفكروهم لمَسيرة الحضارة الإنسانية، وَلْنأخذ دولةَ العباسيِين مثالًا؛ فلولا تشجيع خلفائها للعلومِ والترجمةِ لَربما اندثَرَ تراثُ الحضارةِ اليونانيةِ القديمةِ بكلِ منتجاتها الفكريةِ والعِلميةِ الثرية، ولَظلَّت أوروبا حتى الآنَ تعيش قرونَها الوسطى المُظلمة.
كذلكَ يُذكر للعربِ صدهم هجمات التتار الهمجية التي هددت الإنسانية نفسها في بعض الأحيان.
لويس سيديو في سطور:
مستشرق ومؤرخ فرنسي..وُلِد في باريس عام ١٨٠٨م لأبٍ مستشرق وفلكي فرنسي شغوف بالرياضيات والعلوم، وقد ورث منه حُبه للتعلّم والاطِّلاع.
تعلَّم اللغات والرياضيات على يد والده، ثم التحق ﺑ «مدرسة ليسيه هنري الرابع» الثانوية، وبعد تخرُّجه فيها تلقى تعليمه الجامعي في «جامعة باريس»؛ حيث حصل منها على درجة الليسانس في الحقوق.
عمل بعدَ تخرجه مُدرسًا للتاريخ بالمدارس الثانوية بباريس، وتابع أبحاث أبيه التاريخيةَ في مجالات الفلك والعلوم عند العرب مستعينًا بمعرفته بالعربية، فكانت آراؤه مثارَ جدل وصل إلى حد الهجوم في بعض الأحيان، خصوصًا بعد بيانه فضْل العرب في مجالات العلوم المختلفة.
وقد ألَّف عدة كُتب ترصد التاريخ العربي بشكلٍ علمي ومحايد، من أهمها كتابه الشهير «خلاصة تاريخ العرب».
تُوفِّي عامَ ١٨٧٥م.
اقرأ أيضا
أنوار رمضانية (21).. الألماني يوهان جوته: القرآن كتاب وحي لكل زمان ومكان
أنوار رمضانية ( 20 ) .. الأمريكي مايكل هارت يكشف سر اختيار «محمد» على رأس قائمة العظماء




