الجزائري محمد عدنان بن مير يكتب لـ «30 يوم»: بين رواسب التقليد نواميس التجديد.. مقاربات المعري نموذجا
يُعَدّ الإنسان كائناً عاقلاً بطبيعته، إذ منحه العقل القدرة على التمييز والاختيار واستنباط الرأي. غير أنّ تاريخ المجتمعات الإنسانية يُظهر بوضوح أنّ كثيراً من الأفراد يركنون إلى التقليد أكثر مما يلجؤون إلى التفكير الحر، سواء في المعتقدات أو العادات أو الأفكار أو أنماط الحياة. وقد انتبه الفلاسفة والأدباء منذ القدم، ومنهم أبو العلاء المعري، إلى خطورة هذا الميل إلى الاتّباع غير الواعي، لما يترتب عليه من جمود فكري وتعطيل لقدرة الإنسان على الابتكار وبناء قناعاته الخاصة. وفي زمن تتسارع فيه التحولات العلمية والمعرفية، تُطرح الحاجة الملحّة لفهم أثر التقليد على العقل الجمعي والفردي. ومن هنا تبرز الإشكاليات الآتية:
ما أثر التقليد على تطوّر الفكر؟ وهل يشكّل عائقاً أمام الإبداع والاستقلالية العقلية؟ وما حدود التقليد المقبول في مقابل التقليد المذموم؟
أولاً: التقليد باعتباره سبباً للجمود الفكري
عندما يعتمد الإنسان على ما يرد إليه من أفكار دون فحص، فإنه يعطّل أهم ملكة يمتلكها، وهي ملكة النقد والتحليل. وقد صاغ المعري هذا المعنى في قوله:
“والناسُ يَتبَعُ أكثرُهُمُ ما وجدوا عليه آباءهم، وإن ضلّ الذين قبلهم.”
فالطفل الذي ينشأ في بيئة تُقدّس المألوف عادةً ما يتحوّل إلى بالغ يكرّر ما سمعه دون مراجعة. وينعكس هذا الواقع بوضوح في حياتنا المعاصرة؛ فكثير من الشباب يختارون تخصّصاتهم الجامعية بناءً على نظرة المجتمع أو ضغط الأسرة، لا بناءً على ميولهم الحقيقية. وفي بيئات العمل، نرى مسؤولين يتمسكون بأساليب إدارية قديمة لأنها “الطريقة المتوارثة”، فيتسبب ذلك في ضعف الإنتاجية وتعطّل التطوير.
وتتجلى رؤية المعري في نقده للتقليد أيضاً بقوله:
“إِنما هذه المذاهبُ أسبابٌ لجمعِ الدنيا على الناس، فأمّا عند العقل فلا يفضُلُ مذهبٌ مذهباً.”
وهو قول يوضح أن العقل هو المعيار، لا ما اعتاده الناس.
ثانياً: التقليد كعائق أمام الإبداع العلمي والمعرفي
الإبداع لا ينشأ إلا في بيئة تسمح بالاختلاف وتحرّر العقل. وقد أكد المعري هذا بقوله:
“وأجدر بالأحرار أن يتحرّروا… وأن يَتَفَتَّق فكرهم عن جديد.”
وفي الواقع المعاصر، نرى هذا في عالم التكنولوجيا، حيث تفشل الشركات التي تقلّد منافسيها دون تطوير، بينما تتصدر السوق الشركات التي تبتكر حلولاً جديدة، مثل الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة وخدمات النقل، التي تجاوزت أحياناً شركات عريقة اكتفت بأمجاد الماضي.
وينطبق الأمر ذاته على التعليم: فالمدارس التي تصر على الحفظ والاستظهار تخرج طلبة ضعيفي المهارات، بينما المدارس التي تعتمد على التحليل والتجريب تطور جيلاً قادراً على التفكير النقدي وحل المشكلات.
وفي التاريخ العلمي، ترك العلماء الذين نبذوا التقليد –مثل ابن الهيثم– بصمة لا تُمحى، بينما بقي المقلدون في الظل.
ثالثاً: حدود التقليد المقبول والتقليد المذموم
لم يكن أبو العلاء المعري يرفض كل أشكال التقليد، بل كان يرفض التقليد الذي يعطل التفكير. وقد لخّص ذلك بقوله:
“وكل دين لدى الأوائل معقول… وهل تقلّد مذهباً من تعقّلا؟”
فالتقليد قد يكون ضرورياً في التعلم الأولي، لكنه يتحول إلى عائق حين يمنع الإنسان من مراجعة أفكاره.
وفي واقع اليوم، يظهر الفرق بين التقليد النافع والضار بوضوح: اتباع قوانين الدولة تقليد ضروري، بينما نسخ سياسات أجنبية دون مراعاة للخصوصيات المحلية يؤدي غالباً إلى الفشل. وفي المؤسسات الحديثة، الموظف الذي يكرر ما يفعله الآخرون دون تطوير يبقى ثابتاً، بينما الموظف الذي يراجع ويبتكر يتقدم ويؤثر.
يتبيّن مما سبق أنّ التقليد، رغم ضرورته في مراحل معينة من التعلم، قد يتحول إلى قوة تعيق الإنسان عن استخدام عقله واستقلال رأيه. وهذا ما حذّر منه أبو العلاء المعري في أقواله التي انتقد فيها الاتباع الأعمى، داعياً إلى تحرير الفكر من قيوده. وقد أثبتت التجارب المعاصرة أنّ المجتمعات والمؤسسات التي ترسخ ثقافة التقليد دون تطوير تفقد قدرتها على الإبداع، بينما المجتمعات التي توازن بين الأصالة والاجتهاد تمتلك فرصاً أكبر لتحقيق النهضة.
إنّ الانتقال نحو ثقافة التفكير النقدي يتطلب شجاعة معرفية وتربية على السؤال، كما يتطلب قدرة على التمييز بين ما يجب الحفاظ عليه وما يجب تجاوُزه. ويبقى السؤال الذي يدعو للتأمل:كيف يمكن للأفراد والمؤسسات أن يصنعوا توازناً واعياً بين الاستفادة من الماضي والانفتاح على الجديد دون أن يفقدوا هويتهم أو استقرارهم؟



