الإعلامي حمدي رزق يكتب: حكايات من دفتر المواطنة الشعبية (5).. عزيزة البورسعيدية بنت الحاجة روحية !!
قصص كثيرة عشت تفاصيلها وأنا فى حضن جدتى، حكايات، حكايات ، وقصة عزيزة وحدها حكاية..
لا أعرف سر غرام جدتى ( روحية ) بهذه الشابة ( البورسعيدية ) ، كانت الحارة تعارفت على لقبها (عزيزة البورسعيدية)، كانت شعلة نشاط، ورغبة أكيدة فى الخدمة الطوعية، تملك قلباً طيباً وكبيراً اتسع لكل الحى الطيب، تسللت إلى قلب ووجدان جدتى كابنتها ( رجاء ) التى هى ( أمى) ، ومن أمتع أوقاتها عندما تجلس إلى جوارها على الفرشة القديمة تحكى عن ( بورسعيد وأهل بورسعيد) وقصصهم .. كانت تحكى عوالم ساحرة، تنبسط جدتى قوى بالحكى، وهى من ملوك الحكى .
كان مذاق ( عزيزة ) حريفاً من البهار الذى تضيفه إلى سمك “الشر”، بكسر الشين ، وهو السمك الصغير الذى يهمله الصياد الكبير، كانت تشتريه بقروشها القليلة من سوق السمك عند “الحصوة”، وتشويه على “صاج” فوق وابور الجاز “أبوفونية” نحاس، ثم تتبله فى تتبيلة مذابة فى ماء مالح، فيبترد ويتصاعد منه البخار شهياً، وتقدمه إلى جدتى التى سال لعابها قبلاً، وتسلم إيديكى يا عزيزة.
رحلت ( جدتى روحية ) مع الراحلين إلى جنات النعيم، ورحلت ( عزيزة ) مع العائدين إلى بورسعيد، ولم تغادر قسماتها الدقيقة ذاكرتى البعيدة، لله درك يا عزيزة، عزيزة عندى هى ( بورسعيد ) ، وكلما ذهبت إلى المدينة الباسلة أتفرس الوجوه بحثاً عن ( عزيزة ) ، وكلما جلست إلى طعام البحر، تتوق نفسى إلى ( سمك عزيزة ) ، كانت ( عزيزة ) عزيزة على قلبى وفؤادى ومهجتى كما كانت ( عزيزة ) قريبة من قلب ستى روحية، كانت تحبها حباً ربما يفوق حبها لأمى ( رجاء ) .
**
عزيزة بنت الحاجة روحية.. هكذا كانوا يتنادون عليها، عزيزة تغربت وتهجرت وحملت على ظهرها ما تنوء بحمله الجبال الرواسى، لم تفقد ابتسامتها قط فى وجه الصعب، كانت لها قفشات وتحفظ نكاتاً حريفة، تسخر من مأساتها، مأساة التهجير عن الديار علي شط القنال .
عزيزة لهلوبة كما كانت تصفها جدتى، قوية وعفية وجامدة، لم تهن يوماً، ولم تلن عريكتها، صالبة طولها، فاردة قلوعها، تلمس بأناملها الخضراء مثل ذات الدمن أشعة الشمس على سطح المياه الزرقاء تداعب الشط، وتصبح على الورد المفتح فى جنانين مصر.
قصرت فعلا فى حب عزيزة، كنت مشغولاً بحب بنت الجيران، لم أحفظ من اسمها سوى اسمها الأول، فتحت عينى على “عزيزة”، شابة سمراء فارعة الطول، كانت تنال مديح جدتى “روحية”، كانت تسكن غرفة علوية فى مسكن جدتى القديم بشارع راغب بمنوف، لم تسكن مع المهجرين من أهل بورسعيد فى مساكن الإيواء خلف مدرسة منوف الثانوية العسكرية، كنا نعرفهم من لغوتهم، اللهجة البورسعيدية كانت مصدر دهشة ومرح بين المنايفة، كانوا يحكون عنهم عجباً، ويتندرون بنوادرهم، واصطلح على تسميتهم بالمهجرين بدون ألف، أى الذين هُجِّروا قسراً، خلافاً للمهاجرين طوعاً، كانوا سهراية الليالى القمرية عندما تصدح أغانيهم التى يستعينون بها على الزمان الصعب.
عزيزة علّمت جدتى الحروف كلها، كانت تكتب وتقرأ، كانت تطالع الجورنان، وتحكى لجدتى عن الزوج والأب والعم والخال، عن الفدائيين فى خط القنال، علّمت العائلة والحارة والناحية، بل منوف كلها، حروف الفداء كلها، وصار الفداء نغمة العزبة، وصار الفدائى عنواناً، صرنا شعباً من الفدائيين فى القنال.
**
أحفظ فى ذاكرتى سطوراً كتبتها إلىّ عزيزة صغيراً، ولم تطلع عليها جدتى الأروبة، يقيناً كانت ستعجب بها وتستفسر حول معانيها، ولكنها لم تُكتب فى حياة جدتى، كتبتها بعد رحيلها بعقود، وبعد أن صرت صحفياً، وليس ( دكتور أسنان ) كما كانت تشتهى، علماً ماتت جدتى روحية من زمان، أعتقد فى نهاية السبعينيات، ياااه على طول الفراق.
كتبت فى الكراس الذى لم تطالعه جدتى روحية: أتعلمين يا عزيزتى أن ذكرك جاء فى الأثر، وتحدث بك الركبان، وتمثلك الثوار، وقال فيك ( تشى جيفارا ) الثائر العظيم شعراً، تخيلى يا عزيزتى أنك ألهمت ( تشى جيفارا ورفاقه ) روحاً بعد أن تمكن منهم اليأس، ألهمتيهم نصراً، وأنقذتيهم من لجة الموت، أتعرفين روى عن ( تشى جيفارا ) لدى زيارته إلى قبلة الأحرار والثوار مصر أنه أشار أن اليأس كاد يصيبهم فى معاركهم ضد قوات “باتيستا واليانكى”، لكنهم واصلوا الصمود عندما سمعوا عن صمود مدينة مصرية صغيرة أسمها “بورسعيد” فى وجه كل آلة الحرب من ثلاث دول (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل).
من لم يعش أيام الفداء فى بورسعيد ودحر العدوان الثلاثى سمع بها وتعجب من هذا الشعب الصامد على شط القنال، سمعت بها من ( عزيزة ) بعد أن اكتمل القمر بدراً فى السماء، وشق خالد الذكر ( ناصر ) طريقه نحو الزعامة، كانت بورسعيد مقرر الصباح فى طابور الصباح، يالها من صباحات شتوية تشمسها ( عزيزة ) بطلة صباحية مشرقة، بابتسامة تفتر عن ثغر بسام، أسنانها بيضاء فى وجه من السمار الجميل، مشرقة كانت ابتسامة عزيزة.
ما الذى فعلته بى عزيزة، أساحرة كنت، أكانت تضع سحرها فى خلطة السمك، ما الذى فعلته عزيزة فينا، كيف سكنت قلوبنا، وإليها تهفو أفئدتنا .
ما سر هذه الشابة السمراء، ولماذا هى دوماً باسمة، من أين لها هذا الألق، وهذا الوهج، ولماذا صارت مقصداً لنساء الناحية تعلمهن شئون النساء، وكيف تمكنت من قلب جدتى روحية إلى حدود البكاء يوم الفراق، يوم قررت عزيزة العودة إلى بورسعيد، خطفت روح جدتى، كان يوماً حزيناً كأن ميتاً لها مات.. كثيرة أيام الحزن فى حياة روحية بنت داعوش.
كانت أمى وعزيزة أقرب إلى الأخوات، أمى سمراء بلون طين الأرض الطيبة، وعزيزة غامقة اللون وكأنها قدت من صخر جرانيت أسوانى، عزيزة طويلة، بل فارعة الطول، وأمى قصيرة كوالدتها، أمى تطبخ، وعزيزة تكنس وتمسح تحت إشراف الأسطى روحية، الشيف التلقائى، المايسترو يعزف ألحان الأعمال المنزلية بتوقيت جرينتش، دوماً تسبق كل المواعيد بساعتين على الأقل، تصحو قبل الصحو بساعتين، تصلى الفجر حاضراً، وتجهز الفطور قبل الصحو بساعتين، إنجليزية الطابع، تكره السلف، وحقانية لا تترك هوامش وراءها، هكذا شبت أمى رجاء حقانية تتحرى الحق وتكره السلف!
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: الأرقام القياسية في الفتاوى الرمضانية؟!




