أنوار رمضانية (23) .. المستشرق الأمريكي واشنطن إيرفينج: الإسلام يتسم بالبساطة والواقعية والشمول.. والقرآن حوى جميع القوانين
كتب- صابر رمضان
واشنطن إيرفينج (1783-1859) ، كاتب ومؤرخ أمريكي بارز، ألف كتاب “محمد وخلفاؤه” (1849/1850)، وهي سيرة تاريخية اتسمت بالمُنصفة نسبياً مقارنة بغيرها من كتابات الاستشراق في عصره.
ولد المستشرق الأمريكي، واشنطن إيرفنج، في مدينة نيويورك عام 1783، درس القانون وعمل محاميا لفترة، ثم ترك القانون لخوض غمار الكتابة.
وفي عام 1826 صار دبلوماسياً لبلاده في إسبانيا، وفي عام 1842 عين وزيراً مفوضاً للولايات المتحدة بإسبانيا، بعدها عاد إلى نيويورك، وعاش بقية حياته إلى أن توفي عام 1859.
أظهر إيرفينج احتراماً لشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مسلطاً الضوء على تواضعه، ورحمته عند فتح مكة، وعدله، وإخلاصه في دعوته.
أبرز نقاط تناول إيرفينج للنبي محمد صلّ الله عليه وسلم:
تم نشر كتاب “محمد وخلفاؤه” (Mahomet and His Successors) في إسبانيا ونشر بالتزامن في أمريكا وإنجلترا.
إيرفينج وصف النبي محمد صلّ الله عليه وسلم بأنه “خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله تعالى ليدعوا الناس إلى عبادة الله.
و ركز في كتابه على حياة النبي صلّ الله عليه وسلم من مولده في مكة إلى وفاته في المدينة المنورة، بالإضافة إلى الفتوحات الأولى.
أشار إلى تواضع النبي صلّ الله عليه وسلم ورغم انتصاراته العسكرية، لم تثر كبرياءه أو غروره، وحافظ على بساطته.
تصرفات تدلل على النبوة
ووصف تصرفات الرسول بعد فتح مكة بأنها تدل على كونه نبيّاً مرسلاً، حيث توّج انتصاره بالرحمة والعفو لا بالانتقام.
حاول إيرفينج من خلال كتابه تقديم سرد تاريخي لأحداث السيرة، معتبراً إياها فترة انتقالية فارقة، وقد اعتبره البعض من الغربيين المنصفين في تناول السيرة.
وعُرف عنه بأنه أول كاتب أمريكي يحظى بشهرة عالمية، وكان لكتاباته تأثير كبير في الأدب الأمريكي.
زاهد ومتواضع
وقال واشنطن ايرفينج: “عاش محمد صلّ الله عليه وسلم حياته روحانيًا منذ صِبَاه، يأكل قليلًا، ويصوم كثيرًا، زاهدًا لا يميل إلى الترف، بسيطًا يُبغض الثراء، متواضعًا يرفض الأُبَّهَة والجاه..”.
فلم ينغمس في هوة التزين، أو التفاخر بالعقل الزهيد؛ وكذلك لم تتأثر بساطته في لباسه إلا نتيجة الورع الكامل والتخلي عن كل متع الحياة والسعي وراء الثراء…
ورغم انتصاراته العسكرية، إلا أن هذه الانتصارات لم تثر كبرياءه أو غروره، فلم يكن يحارب من أجل مصلحة شخصية.
وحتى في أوج مجده حافظ الرسول صلّ الله عليه وسلم- ـ على بساطته وتواضعه، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة القيام له أو المبالغة في الترحيب به.
وألف واشنطن إيرفنج مجموعة من الكتب في مراحل مختلفة من حياته، أهمها: كتاب «تاريخ نيويورك منذ بداية العالم حتى نهاية الأسرة المالكة»، وكتاب «فتح غرناطة»، وقد صنفه عندما عمل في السلك الدبلوماسي لبلاده في إسبانيا، حيث اهتم في تلك المرحلة بالبحث والكتابة في الموضوعات العربية والإسلامية، وكتاب «حياة محمد».
ويعد واشنطن إيرفينج من أوائل المستشرقين الأمريكيين الذين اهتموا بالدراسات العربية والإسلامية.
قوة الإسلام في خصائصه الروحية
وحظي كتابه «حياة محمد» باهتمام كبير، فقد ترجم أكثر من مرة، وطبع عدة مرات، وكان من أبرز الكتب التي صنفت في سيرة النبي صلّ الله عليه وسلم، ولاقت رواجاً كبيراً، وحظيت باهتمام بالغ.
سجل إيرفينج بعض الشهادات المنصفة للدين الإسلامي، ويقول: «إن قوة الإسلام في ذاته، في خصائصه الروحية وشموله، وهذا هو سر غلبته في النهاية».
ويقول: «ينهي الإسلام عن الوثنية تماما في جميع صورها، فقد نهى الإسلام عن جميع الطقوس الدينية في الجاهلية التي تتعلق بالوثنية، ودعا إلى توحيد الله، ولكنه احتفظ من بين هذه الطقوس بما هو بعيد عن الوثنية، مثل الحج إلى مكة والطواف بالكعبة».
الإسلام منهج يحقق غاية الوجود الإنساني
ويقول إيرفينج: «لقد أيقنت أن الإسلام هو المنهج الذي يحقق غاية الوجود الإنساني، فهو يمتاز بالبساطة والواقعية والشمول، فالإسلام يحترم كافة الأديان ويوقر جميع الأنبياء، ويقول القرآن:
(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، «سورة البقرة: الآية 136»، فهل هناك أبلغ من هذا الدليل على شمول الإسلام وعقيدته وإيمانه بالله الواحد الأحد»…
القرآن يدعو للرحمة والصفاء
ويمدح إيرفينج القرآن الكريم ، قائلاً: «يدعو القرآن إلى الرحمة والصفاء، ويدعو أيضاً إلى فضائل أخلاقية نبيلة وسامية».
ويضيف: «لقد حوى القرآن كل شيء، جميع القوانين، إذ انه خاتم الكتب السماوية، كما كان محمد خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله ليدعو الناس إلى عبادة الله».
ويضيف إيرفينج: عند قدوم رسول الإسلام «محمد» إلى المدينة اعتنق بعض أهلها من المسيحيين الإسلام، فقد وجدوا تشابه بين التعاليم الإنسانية في كل من الإسلام والمسيحية، ولم يلمسوا أي تعارض بين الدينين، وبخاصة أن الإسلام يضع المسيح عليه السلام في مقدمة الأنبياء.
أقواله المأثورة
*حب يقاوم الزمن والمسافة والصمت
يُعد الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفينج من رواد الأدب الرومانسي، واشتهر باقتباساته العميقة حول الحب، الذاكرة، وجمال الطبيعة، ومن أجمل ما قاله:
“الحب الذي يقاوم الزمن، والمسافة، والصمت، هو الحب الذي يترك أثراً لا يمحى في الروح”.
*الذاكرة والقلب
“لا يوجد حزن يضاهي تذكر السعادة في وقت البؤس”.
*الطبيعة والحضارة
في كتابه “الحمراء”، أشاد بالحضارة الإسلامية في الأندلس قائلاً: : “وعلى الرغم من كل ما حصل، وبكل الأحوال، ظلّت الحضارة الإسلامية في إسبانيا شعاعاً مشرقاً”..
*وصف الطبيعة
“النساء مثل أشجار الصفصاف؛ تنحني أمام الريح، لكنها لا تنكسر”.
*الكتابة والخلود
“الكتب هي الوسيلة التي تجعلنا نتحدث مع الموتى، ونسمع أصواتهم عبر القرون”..
*القلب اللطيف
القلب اللطيف ينبوع من الفرح ، يجعل الحياة أجمل وكل شيء حوله ينعش بالابتسامات ، حافظ على ابتسامتك لأن هناك الكثير لتبتسم لأجله.
*قدسية الدموع
للدموع قدسية، إنها رُسُلُ حزن طاغ وأسف عميق وحبٍ لا يُوصف.
*المحن والشدائد
المحن والشدائد تخضع وتروض العقول البسيطة , ولكن العقول العظيمة ترتفع فوقها.
*حب الأم
قد يدير الأب ظهره لطفله ، وقد يصبح الأخوة والأخوات أعداء ، وقد يترك الأزواج زوجاتهم ، ويتركن الزوجات أزواجهم ، وقد يخيب ظنك العالم بأجمعه ، لكن حُب الأم يدوم للأبد.
*العقول العظيمة
أصحاب العقول العظيمة لديهم أهداف وغايات، أما الآخرون فيكتفون بالأحلام…!




