توبكُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين يصبح جيب المواطن هو الحل الأسهل!!

مرة أخرى تعود الحكومة إلى الحل الأسهل والأكثر إيلامًا: جيب المواطن. فبدلًا من البحث عن سياسات اقتصادية مبتكرة أو معالجة الخلل فى بنية الإنفاق العام، يأتى قرار تحريك أسعار البنزين والمحروقات ليؤكد لدى كثيرين أن المواطن البسيط أصبح الخزان الدائم الذى تُسحب منه الأموال كلما ضاقت الحسابات فى دفاتر الحكومة.

منذ سنوات طويلة، والشعب المصرى يتحمل تبعات ما سُمِّى ببرنامج الإصلاح الاقتصادى. ارتفعت الأسعار، وتراجعت القدرة الشرائية، وتضاعفت تكاليف الحياة اليومية. ومع ذلك ظل المواطن صابرًا، مدفوعًا بإحساس عميق بالمسئولية تجاه بلده، ومقتنعًا بأن ما يتحمله اليوم قد يكون ثمنًا لمستقبل أفضل.

لكن ما يحدث الآن يثير تساؤلات مشروعة: هل تحولت سياسة الإصلاح الاقتصادى إلى سلسلة متواصلة من الضغوط التى يدفع ثمنها المواطن وحده؟ وهل أصبح رفع الأسعار هو الخيار الأول كلما واجهت الموازنة العامة ضغوطًا أو عجزًا؟

الواقع أن المواطن يشعر أحيانًا وكأن الحكومة تتعامل معه بمنطق قاسٍ، وكأن المطلوب أن يظل دائمًا تحت ضغط الأعباء، يدور فى ساقية الغلاء دون توقف، فلا يجد فرصة لالتقاط أنفاسه أو التفكير فى واقعه ومستقبله. وكأن فلسفة الإدارة الاقتصادية باتت أقرب إلى المقولة الشهيرة: “جوع كلبك يتبعك”، وهى مقولة لا تليق بعلاقة الدولة بشعبها.

ورغم كل ذلك، فإن الشعب المصرى لم يتخلَّ يومًا عن موقفه الداعم للدولة ومؤسساتها. فقد وقف فى صف بلده فى لحظات فارقة، ورفض الانسياق خلف الشائعات أو محاولات زعزعة الاستقرار. بل إن هذا الشعب أثبت، مرة بعد أخرى، أن انتماءه لوطنه أقوى من كل الأزمات الاقتصادية التى يواجهها.

لقد فاق المصريون فى صبرهم صبر أيوب، وفى دعمهم لدولتهم ما اشتهر به حاتم الطائى من كرم وسخاء. فهم لم يبخلوا يومًا بالتضحية حين احتاجت الدولة إليهم، ولم يتراجعوا عن دعم الاستقرار حين كانت المنطقة من حولهم تعصف بها الأزمات. لكن هذا الصبر، مهما كان عظيمًا، ينبغى ألا يُفهم على أنه قدرة لا تنفد على التحمل.

ويزداد الشعور بالاستغراب عندما تأتى قرارات الزيادة فى توقيتات حساسة، كما حدث مع القرار الأخير الذى جاء قبيل عيد الفطر، وهو وقت تتضاعف فيه الأعباء على الأسر المصرية.

كما أن ربط القرار بتوترات إقليمية أو احتمالات صراع فى المنطقة يثير التساؤل: هل أصبح المواطن مطالبًا بدفع فاتورة كل أزمة دولية قبل أن تقع؟

والأمر الأكثر وضوحًا أن زيادة أسعار الوقود لا تبقى محصورة فى حدود محطات البنزين. فهذه الزيادة سرعان ما تمتد إلى تعريفة المواصلات، ثم إلى تكلفة نقل السلع والبضائع، لتصل فى النهاية إلى كل بيت مصرى عبر موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. وهكذا يتحول القرار الواحد إلى سلسلة متتابعة من الضغوط المعيشية التى تثقل كاهل المواطن.

إن الشعب المصرى الذى أثبت وعيه وصبره واستعداده الدائم لدعم الدولة يستحق فى المقابل سياسات أكثر توازنًا وعدالة. سياسات لا تجعل المواطن الحلقة الأضعف فى كل معادلة اقتصادية، بل شريكًا حقيقيًا فى بناء المستقبل.

فالدول لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، بل أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها من قسوة هذه القرارات.

وإذا كان المواطن قد منح دولته رصيدًا هائلًا من الصبر والدعم والثقة، فإن أقل ما يستحقه اليوم هو أن يشعر بأن هذا الرصيد محل تقدير حقيقى، لا مجرد كلمات إشادة عابرة، بل سياسات تراعى ظروفه وتضع حدًا لدائرة الأعباء التى لا تبدو لها نهاية.

Khalededrees2020@gmail.com

 اقرأ أيضا

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: ماذا أكتب ؟.. سأدعو لمصر فقط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى