الإعلامي حمدي رزق يكتب: الأرقام القياسية في الفتاوى الرمضانية؟!
لو أحصت دار الإفتاء طلبات الفتوى خلال شهر رمضان لسجلت رقمًا قياسيًا يضاف إلى أرقامها القياسية المسجلة نهاية العام الماضي.
بلغ إجمالي عدد الفتاوى الواردة إلى دار الإفتاء المصرية خلال عام 2025 عدد 959459 فتوى، توزعت بين فتوى شفوية أو عبر الخدمات الهاتفية والإنترنت وفروع الدار، إضافة إلى فتاوى وردت من خلال الخدمات البحثية والمكتوبة والجماهيرية.
لافت زيادة الطلب على الفتوى في شهر الصيام، ومستوجب دراسة علمية يضطلع بها خبراء الدار العريقة، مهم الوقوف على عناوين واتجاهات الفتوى، وموضوعاتها، والأفكار المؤسسة لها.
دراسة الطلب على الفتوى فصل مقترح من جانبنا إضافة معرفية لكتاب (ماذا حدث للمصريين؟)، والعنوان لمؤلفه طيب الذكر الدكتور جلال أمين.
في السياق الإحصائي كشف المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية أن الفتاوى الخاصة بشهر رمضان تمثِّل (20%) من جملة الفتاوى الصادرة عالميًّا.
والترجمة تقول بسيطرة المؤسسات والهيئات الدينية الرسمية على المشهد الإفتائي في الشهر الفضيل بنسبة (60%)، في مقابل (40%) للفتاوى غير الرسمية، والتي تصدر عن شخصيات ومواقع إلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.
وبحسب المؤشر في دار الإفتاء، تصدرت مصر دول العالم من حيث عدد الفتاوى الخاصة بشهر رمضان بنسبة (35%)، تلتها دول الخليج العربي في المرتبة الثانية بنسبة (30%)، واستحوذت فتاوى المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر على أكثر من (70%) من إجماليها، ثم جاءت فتاوى الدول العربية الأخرى (باستثناء مصر ودول الخليج) ثالثةً بـ (25%)، وأخيرًا فتاوى الدول الأجنبية بـ (10%)، وتركز (90%) منها على بعض خصوصيات وعادات الحياة بتلك الدول مثل ( أكل لحوم مذبوحة بطريقة غير شرعية، وتناول الطعام في مطاعم تقدم لحم الخنزير أو الخمور) .
وعلى ذكر موضوعات الفتاوى الرمضانية، يلفتنا المؤشر إلى قضايا إفتائية تتجدّد كل موسم، والتي تُحدث فتاواها سجالًا بين العامة ، وكان أهمها مقدار زكاة الفطر وخروجها حبوبًا من غالب قوت البلد أو مقدارها نقدًا أي مالًا .
وتمحورت القضية الثانية حول توقيت أذان الفجر، ودائمًا ما يكون توقيت أذان الفجر سببًا في أزمة إفتائية بين بعض السلفيين وغيرهم، والثالثة الإفطار خلال أيام الامتحانات وتأثير الصيام على بعض الطلاب تأثيرًا سلبيًّا على المذاكرة والتركيز، ما قد يؤدي إلى الرسوب أو تراجع درجاتهم .
القضية الرابعة التي استحوذت على قسم من فتاوى رمضان تعني بارتفاع عدد ساعات الصوم في بعض الدول الغربية ، لايزال طول ساعات الصيام في عدة دول أوروبية يثير جدلًا واسعًا بين المسلمين الذين يقيمون في هذه البلاد، لا سيما وأن عدد ساعات الصوم قد تصل لقرابة 19 ساعة يوميًّا في دولة مثل بريطانيا، ويزيد عن 20 ساعة يوميًّا في الدول الإسكندنافية، مثل السويد والنرويج.
في القضية الأخيرة التي لا تزال تتصدر، صدرت بشأنها فتوى عن مؤسسة الأزهر في عام 1982م ترى أنه في الدول التي يطول فيها اليوم بشكل غير طبيعي، كما هو الحال في دول شمال أوروبا، يجوز للمسلمين الاختيار بين أمرين: الصوم حسب مواقيت البلاد المعتدلة التي نزل فيها التشريع الإسلامي، مثل مكة والمدينة، أو حساب وقت الصوم باعتبار زمنه في أقرب البلاد اعتدالًا إليهم.
كما أصدرت دار الإفتاء المصرية نفس الفتوى تقريبًا من حيث المضمون، ورغم مرور 44 عامًا على صدور هذه الفتوى لا تزال مطلوبة، ولا تزال تحتل مكانها على مؤشر الفتوى، ما يترجم إلحافًا، والإلحاف في المسألة شدة الطلب والتكرار والإصرار، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا من مغبة الإلحاف: “لا تُلْحِفُوا في المسألة” ، كما أخرجه مسلم عن معاوية .
عفوًا رسول الله، بين ظهرانينا أناس يلحفون، ويلحفون أكثر في الشهر الفضيل ، و يصرون على طلب الفتوى المعلومة بالضرورة، ويزيدون إلحافًا، والطلب على الفتوى صار أكثر إلحاحًا من الطلب على (شرائح البانيه)، وكلما أجابهم شيخ استفتوا آخر، وإذا أجابت دار الإفتاء طلبوها من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ويتزيدون إلحافًا في المسألة بطلب الفتوى من مراجع خليجية وأخرى سلفية أو حتى إخوانية.
ما يسمونه علماء الاجتماع (فرط تدين)، وبشخصه علماء النفس ( وسوسة ) ، وكأنه أول رمضان في تاريخ المسلمين ، فتاوى مطلوبة تعود لفجر الإسلام، ومحدثات يستفتون فيها كجواز التطهر بمياه الشطاف في نهار رمضان، والأغرب مجموعة فتاوى تخليل الأسنان بالمسواك في زمن معجون الأسنان، وكلها فتاوى مكرورة مكررة محفوظة أبا عن جد لسابع جد ، ويسمعها الأطفال غيبًا، ولكنه الإلحاف الفتوي الذي أخشي صار مرضيًا.
الاكتفاء بالتوصيف (فرط تدين) لا يفي بالتشخيص الأمين، والحديث عن ( التدين الشكلانى ) الظاهري أو القشري، أو هيمنة المؤسسات الدينية وتمددها في البراح المجتمعي بغية تديين الفضاء العقلي ، أخشى يختصر الظاهرة لا يفككها ويحللها ويقف على تغلغلها في الذهنية المجتمعية التي باتت مبلبلة بين فقهاء يزيدون البلبلة صخبا .
العقل الجمعي أخشي مختطف بفتوي (الشطاف)، وتسييد المراجع الدينية هكذا علي العقل الجمعي يولد تواكلا عن إعمال العقل ، ومدرسة العقل التي أسسها الرسول الكريم بقوله: “استفت قلبك واستفت نفسك” – كما أخرجه أحمد عن وابصة – تغيب عمدا بفعل فاعل ، وإذا ساد الإلحاف في الاستفتاء تضرر العقل الجمعي ، صار يقبل الأيادي سمعا وطاعة .
الأولويات المجتمعية في العمل والانتاج والاستثمار في الأفكار ، والأولويات الفكرية في تقصي المصائر والمآلات والمستقبليات أخشى غائبة عن الأجندة العقلية التي تتلهي بسؤال الشطاف والمسواك عما سواه .
أعلاه من أرقام قياسية وفتاوي عبقرية ، يورثنا ضيقًا، يدخلنا مدخلًا ضيقًا، يصرفنا عن ما هو أجدي و أنفع، سيما إنَّ الدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، وفي الأخير الإلحاف في المسألة الدينية ضعف ثقة في النّفس، أو من الوسوسة، وقد تكون تنطّعا، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن مسعود: “هلك المتنطّعون”
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: رأس الأفعى.. فن اصطياد الأفاعي !




