خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: عاش وزير الصحة الكويتي
قبل أن أبدأ، دعوني أطمئنكم: هذا المقال معتمدٌ رسمياً من وزارة الصحة الكويتية، وقد أبدى معالي الوزير ارتياحه التام لنشره، إذ تبيّن له بعد القراءة الأولى أنه لا يوجد بين كُتّابه أي كويتي.
في لحظةٍ فارقة من تاريخ الدبلوماسية الإنسانية، وبعد أن هزّ القصفُ الإيراني أرضَ الكويت، توجّه معالي وزير الصحة الموقّر — حفظه الله ورعاه وأطال في عمره وعمر أمثاله — إلى المستشفى لتفقّد المصابين.
لم يسألهم عن آلامهم.
لم يسألهم عن جراحهم.
لم يسألهم عن أسمائهم.
سألهم عن جنسياتهم.
وحين تبيّن له الأمر، انتصب كالطودِ الشامخ، وأعلنها بصوتٍ يملؤه الارتياح، كمن يُبشّر بمولودٍ سليم:
“الحمد لله، كلهم مصريين، لا يوجد بينهم أي كويتي.”
الحمد لله.
الحمد لله على ماذا بالضبط؟
على أن القصف كان دقيقاً انتقائياً يميّز بين الجنسيات؟
أم على أن الله لطف بالكويتيين فجعل المصريين يسبقونهم إلى المستشفى كما يسبقونهم في كل شيء؟
أيها السادة، دعونا نُنصف الرجل.
فهو لم يخترع هذا المنطق من عنده، بل هو منطقٌ راسخٌ ومتجذّر، تتوارثه الأمم جيلاً بعد جيل، يُطبَّق بدقةٍ متناهية عند كل كارثة وحادثة:
في بعض بلاد العالم يقولون بعد الحوادث: “الحمد لله لا يوجد بينهم أجانب.”
وفي الكويت يقولون: “الحمد لله لا يوجد بينهم كويتيون.”
فارقٌ جوهري عميق، يدل على أصالة الفكر وتنوع التطبيق.
والحقيقة أن معالي الوزير رجلٌ عملي من طرازٍ رفيع، إذ لماذا يُضيّع وقته في التعاطف مع جرحى لا يحملون الهويّة الصحيحة؟ وزارة الصحة لها طاقةٌ محدودة، والشفقة — كما هو معلوم — تُوزَّع على حسب جواز السفر.
ولأن المصريين قومٌ كرماء بطبعهم، فإنهم لم يكتفوا بالعمل في الكويت، بل تفضّلوا أيضاً بأن يكونوا وقوداً لصواريخها.
خدمةٌ شاملة، من البناء إلى الاستشهاد، بأسعارٍ تنافسية.
وهذا ما يميّز المصريين فعلاً، كما قال أحدهم بحرقة: “المصريون أصلٌ وأخلاقٌ ودين.”
نعم.
وأضيف: وصبرٌ لا حدود له.
أما أنا، فلا أملك إلا أن أرفع قبعتي — لو كنتُ أرتدي قبعة — لمعالي الوزير، الذي أثبت في لحظةٍ واحدة ما عجز عنه الفلاسفة قروناً:
أن الجغرافيا لا تصنع الإنسان.
أن الأرض المشتركة لا تصنع المصير المشترك.
وأن الدم — في نهاية المطاف — له جنسية.
عاش معالي الوزير.
وعاشت الجنسية.
وإنا على المصريين لمحزونون.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: نعمة الزعيم الحكيم




