أنوار رمضانية ( 19) الإسكتلندي توماس كارليل: نور الله سطع فى روح محمد.. وهذا سر حبي لهذا النبي
كتب- صابر رمضان
توماس كارليل (4 ديسمبر 1795 – 5 فبراير 1881) عاش 86 عاما .. كاتب إسكتلندي وناقد ساخر ومؤرخ. وكان لأعماله تأثير كبير بالعصر “الفكتوري”.حيث الثورة الصناعية الأولى في العالم وذروة الإمبراطورية البريطانية
كارليل ،من عائلة صارمة خططت ليكون واعظاً إلا أنه فقد إيمانه بالمسيحية أثناء دراسته بجامعة إدنبرة ومع ذلك بقيت القيم الكالفينية تلازمه طوال حياته.
في محاضرته التي تحمل عنوان “البطل كنبي”، أوضح كارليل أن محمداً صلّ الله عليه وسلم كان عاملاً إصلاحياً هيجلياً .
مؤكداً على صدقه ومعلقاً.. ( كيف استطاع رجل واحد بمفرده أن يوحد القبائل المتحاربة والبدو الرحل في أمة قوية ومتحضرة في أقل من عقدين).
أشاد المؤرخ الإسكتلندي توماس كارليل، بالنبي محمد صلّ الله عليه وسلم والإسلام في كتابه “الأبطال وعبادة الأبطال”، مدافعاً عنه ضد افتراءات الغرب، ووصفه بأنه “شهاب أضاء العالم”، ونبياً صادقاً بنى أمة عظيمة، رافضاً وهم كذب الإسلام، ومؤكداً أن رسالته ظلت سراجاً منيراً لأربعة عشر قرناً.. فـ نور الله سطع فى روح محمد…
وفي محاضرة “البطل في صورة نبي” دافع عن النبي محمد صلّ الله عليه وسلم ، مبديا إعجاباً شديداً بشخصية النبي محمد صلّ الله عليه وسلم، ووصفه بأنه “عظيم” ورجل صادق لا يمكن أن يكون كاذباً…
تصحيح المفاهيم الغربية
الكاتب الأسكتلندي توماس كارليل، اتسم بحسن بيانه، وبلاغته، وقوته في الدفاع عن الحق، وقدرته على إفحام مناظريه، كانت صفات ورثها عن أبيه، صاحب الشخصية القوية واللسان الفصيح، رغم كونه بناءً أميًّا، لم يتلقَ نصيبه من العلم، لكنه على قوة شخصيته، كان طيب القلب۔۔
أما توماس، فقد ورِث عن والده جزءً كبيرًا من صفاته الحسنة، ولعلها كانت سببًا في مثابرته لتحصيل العلوم، إذ درس علم المعادن، وهو من أصعب العلوم، فقد اضطرته دراسته لذاك العلم، إلى تعلم الألمانية.
ومن أبرز مؤلفاته:”الأبطال، الثورة الفرنسية، الماضي والحاضر، (سارتور رزارتوس)۔۔ فلسفة الملابس، سيرة كرومويل، تاريخ فريدريك ملك بروسيا”.
نشأت كارليل
ولد توماس كارليل في 4 ديسمبر 1795 لوالدين فقيرين، كان يحب الطبيعة ويحب القراءة، كان طفلا ذكياً جداً فلذلك أصروا والديه على إرسال إبنهما إلى أكاديمية أنَن.
وقد ظهر تفوق كارليل منذ البداية، حتى إذا أكمل الـ15 عاما، دخل جامعة إدنبرة وتخرج منها ليعمل مدرساً للرياضيات، وفي هذه الفترة تعرف على إدوارد إيرفنغ
وفي عام 1819، عاد كارليل إلى جامعة إدنبرة لدراسة القانون، ثم شرع بدراسة الأدب الألماني، وقد تأثر بفلسفة المثالية الألمانية أيما تأثر، وقد صبَّ جام اهتمامه على أعمال الفيلسوف الألماني جوهان جوتليب فيخته.
كما أنه خصَّ نفسه بالأدب الألماني بكتابة سلسلة من المقالات في مجلة فرايزر حيث ترجم عن مؤلفين ألمان ولاسيما يوهان فولفجانج فون جوته ليكون ذلك بداية لحياته الأدبية الحافلة، وكما ترجم عن حياة الشاعر الألماني فريدرش شيلر عام 1823.
وكتاب الأبطال فيه فصل عن المصطفى صلّ الله عليه وسلم “البطل في صورة رسول”
يبدأ كارليل الفصل الثاني وعنوانه: البطل في صورة رسول – محمد – الإسلام – بقوله: محمد ليس رجلاً كاذباً متصنعاً يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغية، أو يطمح إلى درجة ملك أو سلطان أو غير ذلك من الحقائر والصغائر.
وما الرسالة التي أداها إلا حق صراح، وما كلمته إلا صوت صادق صادر من العالم المجهول… كلا لم يكن محمد بالكاذب ولا الملفق، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهذه حقيقة تدمغ كل باطل وتدحض حجة القوم الكافرين.
وأرى للعرب صفة واضحة فيهم – وأحسبها ثمرة الفضائل جميعها والمحامد بحذافيرها – ألا وهي التدين، فإنهم ما برحوا شديدي التمسك بدينهم.
ويقول كارليل : يزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان، كلّا وايم الله، لقد كانت في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحجى وإربة ونهى؛ أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. كيف لا، وتلك نفس صامتة كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين، فبينما ترى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة؛ إذ ترى محمداً لم يرض أن يلتفع بمألوف الأكاذيب ويتوشح بمتبع الأباطيل، لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سر الوجود يسطع بعينيه بأهواله ومخاوفه وروانقه ومباهره، لم يك هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه.
وكان من شأن محمد أن يعتزل الناس شهر رمضان فينقطع إلى السكون والوحدة، دأب العرب وعادتهم، ونعمت العادة، ما أجلها وأنفعها، ولا سيما لرجل كمحمد.
لقد كان يخلو إلى نفسه فيناجي ضميره صامتاً بين الجبال الصامتة متفتحاً صدره لأصوات الكون الغامضة الخفية.
لم يغترف من مناهل غيره
ويظهر لى ان الحقيقة هى أن محمدا لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها، وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهد بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية، وعجيبة وأيم الله أمية محمد، نعم إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه الا ما تيسر له أن يبصره بنفسه أو يصل الى سمعه فى ظلمات صحراءالعرب، ولم يضره ولم يزر به إنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيا عن كل ذلك.
ولم يقتبس محمد من نور أى انسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره، ولم يك فى جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية فى ظلمات الدهور من كان بين محمد وبينه أدنى صلة.. وإنما نشأ وعاش وحده فى أحشاء الصحراء، ونما هنالك وحده بين الطبيعة وبين أفكاره.
محمد.. الجهاد والقرآن
ويثني توماس كارليل على الإسلام في محاضرته (محمد والإسلام) ثناءً جميلاً يشهد بحبه لدين الإسلام قائلاً:
ومن فضائل الإسلام تضحية النفس في سبيل الله، وهذا أشرف ما نزل من السماء على بني الأرض، نعم هو نور الله قد سطع في روح ذلك الرجل فأنار ظلمائها، هو ضياء باهر كشف تلك الظلمات التي كانت تؤذن بالخسران والهلاك، وقد سماه محمد عليه السلام وحياً وجبريل، وأينا يستطيع أن يحدث له أسماء! ألم يجيء في الإنجيل أن وحي إله يهبنا الفهم والإدراك؟
وقد قال نوفا ليس (أليس الإيمان هو المعجزة الحقة الدالة على الله؟) فشعور محمد إذ اشتعلت روحه بلهيب هذه الحقيقة الساطعة، بأن الحقيقة المذكورة هي أهم ما يجب على الناس علمه، لم يك إلا أمراً بديهاً، وكون الله قد أنعم عليه بكشفها له ونجاه من الهلاك والظلمة، وكونه قد أصبح مضطراً إلى إظهارها للعالم أجمع –
الحق ينشر نفسه
هذا كله هو معنى كلمة (محمد رسول الله)، وهذا هو الصدق الجلي والحق المبين.. ولقد قيل كثيراً في شأن نشر محمد دينه بالسيف، فإذا جعل الناس ذلك دليلاً على كذبه فشد ما أخطؤوا وجاروا، فهم يقولون ما كان الدين لينتشر لولا السيف، ولكن ما هو الذي أوجد السيف؟
هو قوة ذلك الدين وأنه حق.. والرأي الجديد أول ما ينشأ يكون في رأس رجل واحد، فالذي يعتقده هو فرد، فرد ضد العالم أجمع، فإذا تناول هذا الفرد سيفاً وقام في وجه الدنيا فقلما والله يضيع. وأرى على العموم أن الحق ينشر نفسه بأية طريقة حسبما تقتضيه الحال، أولم تروا أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف أحياناً.
ونظر محمد من وراء أصنام العرب الكاذبة، ومن وراء مذاهب اليونان واليهود ورواياتهم وبراهينهم ومزاعمهم وقضاياهم والصحارى، بقلبه البصير الصادق، وعينه المتوقدة الجلية، إلى لباب الأمر وصميمه، فقال في نفسه: الوثنية باطل وهذه الأصنام التي تصقلونها بالزيت والدهن فيقع عليها الذباب أخشاب لا تضر ولا تنفع، وهي منكر وفظيع، وكفر لو تعلمون، إنما الحق أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا وبيده حياتكم وموتكم، وهو أرأف بكم منكم، وما أصابكم من شيء فهو خير لكم لو كنتم تفقهون.
وإن ديناً آمن به أولئك العرب الوثنيون وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقاً، وجدير أن يصدق به.
كارليل .. والقرآن المعجز
وأما القرآن فإن فرط إعجاب المسلمين به وقولهم بإعجازه هو أكبر دليل على اختلاف الأذواق في الأمم المختلفة.
هذا وإن الترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة، ولذلك لا عجب إذا قلت أن الأوروبي يجد قراءة القرآن أكبر عناء، فهو يقرؤه كما يقرأ الجرائد، لا يزال يقطع في صفحاتها قفاراً من القول الممل المتعب، ويحمل على ذهنه هضاباً وجبالاً من الكلم لكي يعثر في خلال ذلك على كلمة مفيدة.
أما العرب فيرونه على عكس ذلك لما بين آياته وبين أذواقهم من الملاءمة، ولأنه لا ترجمة ذهبت بحسنه ورونقه، فلذلك رآه العرب من المعجزات وأعطوه من التبجيل ما لم يعطه أتقى النصارى لإنجيلهم.
فالذي أباحه محمد مما تحرمه المسيحية لم يكن من تلقاء نفسه، وإنما كان جارياً متبعاً لدى العرب من قديم الأزل، وقد قلل محمد هذه الأشياء جهده، وجعل عليها من الحدود ما كان في إمكانه أن يُجعل.
والدين المحمدي ليس بالسهل ولا بالهين، وكيف ومعه كل ما تعلمون من الصوم والوضوء والقواعد الصعبة الشديدة من إقامة الصلاة خمساً في اليوم، والحرمان من الخمر.
وليس كما يزعمون كان نجاح الإسلام وقبول الناس إياه لسهولته، لأنه من أفحش الطعن على بني آدم والقدح في أعراضهم أن يتهموا بأن الباعث لهم على محاولة الجلائل وإتيان الجسائم هو طلب الراحة واللذة والتماس الحلو من كل صنف في الدنيا والآخرة!.
محمد .. الشاب المفكر كثير الصمت .. صاحب الابتسامته المشرقة
ولوحظ عليه منذ فتائه أنه كان شابا مفكرا.. وقد سماه رفقاؤه الأمين رجل الصدق والوفاء; الصدق فى أفعاله وأقواله وأفكاره.. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة…
وإنى لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام فإذا نطق فما شئت من لب وفضل وإخلاص وحكمه، لا يتناول غرضا فيتركه إلا وقد أنار شبهته وكشف ظلمته وأبان حجته واستثار دفينته، وهكذا يكون الكلام وإلا فلا.
وقد رأيناه طول حياته رجلا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريما برا رؤوفا تقيا فاضلا حرا رجلا شديد الجد مخلصا وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة جم البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الايناس، بل ربما مازح مداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة.
وكان محمد جميل الوجه، وضىء الطلعة حسن القامة زاهى اللون له عينان سوداوان تتلألآن. وانى لأحب فى جبينه ذلك العرق الذى ينتفخ ويسود فى حالة غضبه «كالعرق المقوس الوارد فى قصة القفازة الحمراء لو الترسكوت» وكان هذا العرق خصيصة فى بنى هاشم ولكنه كان أبين فى محمد وأظهر.
عادلا.. صادقا
نعم، لقد كان هذا الرجل كان عادلا صادق النية، كان ذكى اللب شهم الفؤاد, لو ذعيا كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم, ممتلئا نارا ونورا، رجلا عظيما بفطرته لم تثقفه مدرسة ولاهذبه معلم وهو غنى عن ذلك، كالشوكة استغنت عن التنقيح، فأدى عمله فى الحياة وحده فى أعماق الصحراء.
زاهدا ومتقشفا
وما كان محمد أخا شهوات برغم ما اتهم به ظلماً وعدواناً، وشد ما نجور ونخطئ إذا حسبناه رجلاً شهوياً لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ.
كلا.. كلا.. فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أياً كانت، لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه، وسائر أموره وأحواله، وكان طعامه عادة الخبز والماء، وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار، وأنهم ليذكرون -ونعم ما يذكرون- أنه كان يصلح ويرقع ثوبه بيده، فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة؟
فحبذا محمد من رجل خشن اللباس خشن الطعام، مجتهد في الله، قائم النهار ساهر الليل، دائب في نشر دين الله، غير طامح إلى ما يطمح إليه أصاغر الرجال من رتبة أو دولة أو سلطان، غير متطلع إلى ذكر أو شهرة كيفما كانت، رجل عظيم وربكم، وإلا فما كان ملاقياً من أولئك العرب الغلاظ توقيراً واحتراماً وإكباراً وإعظاماً.
أُحب محمد لبراءة طبعه من الرياء والتصنع
ويفيض كارليل خشوعاً ومحبة وقرباً وحباً للنبي الكريم محمد صلّ الله عليه وسلم، فيقول:
وإني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلاً مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه، ولم يك متكبراً، ولكنه لم يكن ذليلاً ضرعاً.. فهو قائم في ثوبه المرقع، كما أوجده الله، وكما أراد أن يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة.
وكان يعرف لنفسه قدرها، وما كان بعابث قط ولا شاب شيئاً من قوله شائبة لعب ولهو، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح ومسألة فناء وبقاء.
ولم يك منه إزاءها إلا الإخلاص الشديد والجد المر، فأما التلاعب بالأقوال والقضايا المنطقية والعبث بالحقائق فما كان من شأنه قط… فـ نور الله سطع فى روح ذلك الرجل
وأرى خصلة المروءة والشرف -شعاع الله- متضائلاً في مثل ذلك الرجل مضطرباً بين عوامل الحياة والموت…




