أنوار رمضانية (18) الألماني فريتس كرنكو .. حياة حافلة بالعلم والدراسة واعتنق الإسلام بعد قراءة واطلاع
فريتس كرنكو ،مستشرق ألماني، له يد طولى في نشر أمهات كتب العربية في الأدب والتاريخ
وعاش بين عامي 1872 و1953، وكان عضواً في المجمع العلمي العربي، واشتهر بتحقيق الكتب النادرة.
اعتناق الإسلام
اعتنق المستشرق الألماني فريتس كرنكو (محمد سالم الكرنكوي) الإسلام نتيجة محبته العميقة للعرب والإسلام، واطلاعه اللامحدود وقراءته المتعددة عن الإسلام والتي تعمقت خلال إقامته وعمله أستاذاً في الهند، حيث تعصب للثقافة العربية، وكان يرى أن انهيار الدولة الأموية كان سبباً في عرقلة انتشار الإسلام في أوروبا، مما جعله يؤمن برسالة الإسلام ويدخل فيه.
مولده ونشأته
وُلد في شونبرج وهي قرية صغيرة في شمالي ألمانيا.
تُوفِّي والده ولمّا يبلغ السادسة، فانتقلت به والدته إلى بيت أبيها، فربي هناك، وتعلّم في المدرسة الثانوية في القرية التي ولد فيها.
وفي تلك الفترة بدأ يلمّ بالإنجليزية والفرنسية؛ فضلاً عن اللاتينية واليونانية.
ولما بلغ الـ16 عاما عمل في متجر بمدينة لوبك، وأخذ يتقن اللغات الأوربية، ويتعلم الفارسية بغير معلم سوى الكتاب، يقول: «ولم أترك ساعة تسنح لي إلا اشتغلت فيها بالكتب التي وقعت بين يديّ».
وفي سنة 1892 انتقل إلى برلين، وهناك زار شخصاً مشهوراً بمعرفة اللغات الشرقية؛ هو “زاخاو” ونصحه هذا الأخير بالانصراف عن الاستشراق؛ لما يتطلبه من وقت ومال لم يتوافرا لديه، لكن” كرنكو” لم يعمل بنصيحته، بل ازداد إقبالاً على الدراسة.
وبعد عامين سافر إلى إنجلترا، وتجنّس بالجنسية البريطانية، وتزوج سيدة إنجليزية، وتوظف عند تاجر اشتغل معه سنين كثيرة إلى أن اجتمع له من المال ما لا يستهان به، وأسّس في لستر مصنعاً للأقمشة كان يشتغل فيه أكثر من ألف عامل وعاملة.
ومع كثرة انشغال كركنو لم تفتهُ ساعة إلا طالع فيها الكتب.
وقد حصل له ميل شديد إلى دراسة آداب اللغة العربية والتمدّن الإسلامي، ولاسيما ما يتعلق بأوائل الإسلام والقرون التي سبقته.
السفر لأستراليا
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى نُكب فيها بولده الوحيد، وأعقب ذلك هبوط الأسعار بعد الهدنة، فاعتلّ، وترك أشغاله، وسافر إلى أستراليا مدّة سنة، وبعد رجوعه من سفره أواخر سنة 1922م عاد إلى مزاولة التجارة، وظل كذلك حتى 1927م، انقطع بعدها للعلم.
نصيحة مستشرق
ونصحه المستشرق تشارلز ليال على التضلع بالعربية والفارسية والأوردية فلم يَحل مصنعه ولا المشكلات التي عرضت له دون العناية بالاستشراق، وتكوين إنتاج خصيب له ولاسيما في تحقيق المخطوطات النادرة.
وعندما أنشأ سلطان حيدر آباد دائرة المعارف العثمانية اتصل كرنكو بها، فكلفته بنشر ما يشاء من كتب العرب المحفوظة في المتحف البريطاني مقابل ثلاثمئة جنيه، في السنة فحققها على خير وجه، واعتنق الإسلام، وسمى نفسه (محمد سالم الكرنكوي)، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، فأكبر هذا التنويه، وعدّه فخراً له.
وانتدبته جامعة عليكر بالهند لتدريس العربية، فأمضى نحو سنتين، وعاد إلى كمبردج، فاستقر فيها إلى أن تُوفي.
قال محمد كرد علي: أحب كرنكو العرب والإسلام محبّة كبيرة حيث يتعصّب للعرب على سائر الأمم من الفرس والترك والهند.
وكان يرى أن زوال الدولة العربية -أعني خلافة بني أمية- وانتقال مركز الإسلام من دمشق إلى العراق، وظهور الفرس على العرب كانت أول سبب في الحيلولة دون انتشار الإسلام في الأمم التي في الشمال الغربي، أي في أوربا…».
وفاته:
توفي المستشرق الألماني فريتس كرنكوف ، المعروف بـ “سالم كرنكو”، في مدينة كمبريدج البريطانية، حيث استقر بعد مسيرة حافلة في تحقيق المخطوطات العربية.
وقال كاظم الدجيلي عنه، وكان صديقاً حميماً له: (كان كرنكو غزير العلم، واسع الاطلاع صادق القول، أبيّ النفس، بهيّ الطلعة، محبّاً للشرقيين عامة وللمسلمين خاصة، ولا أدري ما تمّ في أمر خزانته التي تحوي آلاف الكتب الثمينة النادرة من مخطوطات ومطبوعات، إذ في ضياعها وتفرّقها خسارة للآداب العربية والإسلامية).
آثاره:
قال عنه محمد كرد علي: نشر السيد كرنكو عشرات من الكتب والرسائل والمقالات بالعربية والألمانية والإنجليزية ما لو نشر بعضه مجمع علمي في ثلاثين سنة لعُدّ ذلك من مفاخره.
ومن دواوين الشعراء والمجموعات الشعرية التي نشرها:
«ديوان مزاحم العقيلي»، و«أبي دهبل الجمحي»، و«عمرو بن كلثوم»، و«الحارث بن حلّزة»، و«طُفَيل الغنوي»، و«النعمان بن بشير»، و«أبي بكر بن عبد العزيز العجلي»، و«الطرمّاح»، و«عبيد بن الأبرص»، و«عامر بن الطفيل»، و«عمرو بن قميئة»، وكتاب «الأصمعيات» بشرح ابن السكيت، و«حماسة ابن الشجري».
ومن كتب الأدب: «المجتنى» لابن دريد، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني»، و«معاني الشعر» لابن قتيبة.
ومن كتب اللغة والنحو: «ما اتفق لفظه واختلف معناه» لأبي العميثل الأعرابي، و«الأفعال» لابن القطّاع، و«تفسير ثلاثين سورة» لابن خالويه، و«شرح بانت سعاد» للتبريزي.
ومن المعاجم: «الجمهرة» لابن دريد، و«الجيم» لأبي عمرو الشيباني.
ومن كتب التراجم والطبقات والتاريخ: «طبقات النحاة» للزبيدي، و«الدرر الكامنة»، و«المؤتلف والمختلف»، و«معجم الشعراء» للمرزباني، و«أخبار النحويين البصريين» للسيرافي، و«طبقات أبي بكر الإشبيلي»، و«ذيل مرآة الزمان» لليونيني، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، و«التيجان في تواريخ ملوك حمير» لابن هشام و«المنتظم» لابن الجوزي، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم.
ونشر أيضاً: «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني، و«تنقيح المناظر» للشيرازي، وكتاب «المناظر» لابن الهيثم المصري.
وله من الأبحاث: «الوحدة في الإسلام»، و«السيرة النبوية في الكتب الشعبية العربية»، و«الأدب الشعبي العربي»، و«الشعر الجاهلي»، و«المغيرة ابن المهلب»، و«أبو ريحان البيروني».




