تكنولوجياتوبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: قبل أن نغلق الكليات الإنسانية: ماذا سيحدث للمجتمع والمهن العملية؟

يتكرر في النقاشات التعليمية اليوم سؤال يبدو عمليًا في ظاهره: ما فائدة الكليات الإنسانية إذا لم توفّر وظائف مباشرة؟
لكن السؤال الأعمق والأكثر خطورة هو: ماذا سيحدث للمجتمع إذا خرجت المهن الكبرى من دون أساس إنساني وأخلاقي؟ من يحمي إنسانية المعرفة؟ هل تكفي المهن العملية وحدها؟
الحقيقة أن التخصصات الإنسانية، وفي مقدمتها الفلسفة، لم تعد مجرد دراسة لتاريخ الأفكار كما يظن البعض، بل أصبحت في كثير من الجامعات المتقدمة أساسًا لحقول تطبيقية مؤثرة مثل الأخلاق التطبيقية. هذا المجال لا يكتفي بدراسة النظريات الأخلاقية، بل يعمل على إدماج التفكير الأخلاقي في المهن والقرارات العامة.
وإذا نظرنا إلى الواقع المعاصر سنجد أن الحاجة إلى هذا النوع من المعرفة أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
في الطب، على سبيل المثال، نشأ مجال كامل هو الأخلاقيات الطبية، حيث يعمل الفلاسفة جنبًا إلى جنب مع الأطباء لوضع المعايير الأخلاقية للتعامل مع المرضى، وتنظيم قرارات نهاية الحياة، وضبط حدود التجارب الطبية.
وفي عالم التكنولوجيا ظهر مجال أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لأن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت تؤثر في التوظيف، والعدالة، والخصوصية، وصناعة القرار.
أما في الإعلام والصحافة، فقد فرضت تحديات التضليل الرقمي وانتشار الأخبار الزائفة ضرورة وجود متخصصين في الأخلاقيات الإعلامية، قادرين على موازنة حرية التعبير مع المسؤولية المهنية, وليس فقط مهارات تقنية في إنتاج المحتوى.
بمعنى واضح: السوق نفسه بدأ يطلب الأخلاق، وليس المهارة التقنية وحدها.
غير أن المشكلة الحقيقية ليست في الفلسفة أو العلوم الإنسانية نفسها، بل في طريقة تدريسها التقليدية التي ظلت لفترة طويلة حبيسة النصوص التاريخية، بينما تحرك العالم نحو التخصصات التطبيقية. ولهذا فإن الحل لا يكمن في إلغاء هذه الأقسام، بل في إعادة تصميمها بما يتناسب مع متطلبات الواقع المهني المعاصر.
هناك خطوات عملية واضحة يمكن أن تجعل هذا التخصص مرتبطًا مباشرة بالمجالات المهنية.
أول هذه الخطوات هو إنشاء مسارات تطبيقية داخل الأقسام الإنسانية، بحيث لا يقتصر الطالب على دراسة الفلسفة بوصفها مجالًا عامًا، بل يمكنه التخصص في مجالات مثل أخلاقيات الطب والتمريض، أو أخلاقيات الإعلام والصحافة، أو أخلاقيات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أو أخلاقيات الإدارة والاقتصاد. بهذه الطريقة يصبح الخريج قادرًا على العمل في مجالات تحليل السياسات المهنية والاستشارات الأخلاقية والبحث التطبيقي.
الخطوة الثانية تتمثل في تدريس الفلسفة بالشراكة مع التخصصات الأخرى. فبدل أن تبقى الأقسام منفصلة، يمكن أن يشارك أساتذة الفلسفة في تدريس مقررات الأخلاقيات في كليات الطب والتمريض والإعلام والحاسبات. وفي كثير من الجامعات العالمية أصبح هذا النوع من المقررات جزءًا أساسيًا من برامج الدراسة.
أما الخطوة الثالثة فهي تحويل التفكير الفلسفي إلى مهارات عملية يحتاجها سوق العمل فعلًا، مثل التفكير النقدي، وتحليل المشكلات المعقدة، وتقييم القرارات الأخلاقية، وفهم الأثر الاجتماعي للتكنولوجيا. والمفارقة أن هذه المهارات أصبحت اليوم من أكثر المهارات المطلوبة في مجالات السياسة العامة، والإعلام، والشركات التقنية، والمنظمات الدولية.
ويمكن دعم ذلك كله بإدخال التدريب العملي، بحيث يتدرب طلاب الفلسفة والعلوم الإنسانية في المؤسسات الإعلامية، والمستشفيات، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا، ليتعاملوا مع قضايا أخلاقية واقعية ويكتسبوا خبرة مهنية مباشرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا سيحدث إذا ألغينا الكليات الإنسانية بالفعل؟
إذا اختفت هذه التخصصات من الجامعات فلن تختفي الأسئلة الأخلاقية من الواقع. بل ستظل موجودة، ولكن من دون من يدرسها بعمق.
• سنجد طبًا متقدمًا تقنيًا، لكنه قد يفتقر إلى الحس الإنساني.
• وتمريضًا يتقن الإجراءات، لكنه يفتقد التعاطف والمسؤولية المهنية.
• وإعلامًا قادرًا على إنتاج المحتوى، لكنه عاجز عن التمييز بين الحقيقة والتضليل.
• وتكنولوجيا متطورة قد تُستخدم بطرق غير عادلة أو غير إنسانية.

بمعنى آخر، سنحصل على خريج ماهر تقنيًا، لكنه هش أخلاقيًا؛ متخصص في الأدوات، لكنه لا يعرف حدود استخدامها.
والتاريخ نفسه يبيّن أن الفلسفة لم تكن يومًا منفصلة عن العلوم. فقد تأثر العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين بأفكار الفيلسوف إيمانويل كانط حول الزمان والمكان، وهو ما ساعده على تطوير رؤيته للكون. وفي تاريخ الطب نجد الطبيب والفيلسوف هيبوقراط الذي ربط المعرفة الطبية بالأخلاق المهنية. كما جمع المفكر الأمريكي ويليام جيمس بين الفلسفة وعلم النفس وأسهم في تأسيس علم النفس الحديث.
تذكرنا هذه الأمثلة بحقيقة مهمة: الفلسفة لم تكن يومًا عائقًا أمام التقدم العلمي، بل كانت في كثير من الأحيان إحدى القوى التي تحفّزه وتوجّهه.
ومن هنا فإن القضية ليست الدفاع عن الفلسفة بوصفها تراثًا فكريًا فقط، بل تطويرها بوصفها أداة للمستقبل.
فالعالم لا يحتاج فقط إلى أطباء ومهندسين وإعلاميين مهرة، بل يحتاج أيضًا إلى مهنيين يعرفون كيف يستخدمون معرفتهم بطريقة مسؤولة وإنسانية , كما أن المجتمعات لا تنهار بسبب نقص المهارة، بل بسبب غياب الضمير المهني.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قرار تعليمي ليس: هل نغلق الكليات الإنسانية؟
بل السؤال الأهم هو: كيف نعيد تصميم هذه الكليات لتصبح جزءًا أساسيًا من بناء المهن الحديثة؟
إن إغلاق الكليات الإنسانية لن ينتج مجتمعًا أكثر كفاءة، بل قد ينتج مجتمعًا أكثر مهارة وأقل حكمة. سنحصل على خريجين قادرين على تشغيل الأنظمة والأجهزة، لكنهم قد يفتقرون إلى البوصلة الأخلاقية التي توجه استخدام هذه القدرة.
المهارة وحدها لا تصنع إنسانًا مسؤولًا. يمكن للجامعة أن تخرّج طبيبًا بارعًا، ومهندسًا مبدعًا، ومبرمجًا قادرًا على كتابة أعقد الخوارزميات، لكن السؤال الأخطر يظل قائمًا: لأي غاية ستُستخدم هذه المهارة؟
والجامعات، في جوهرها، لم تُنشأ فقط لتعليم المهنة، بل لتكوين الإنسان القادر على ممارسة هذه المهنة بمسؤولية ووعي وإنسانية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسبق أي قرار هو:
هل نريد تعليمًا يصنع مهنيين فقط، أم تعليمًا يصنع إنسانًا قادرًا على أن يكون مهنيًا وأخلاقيًا في الوقت نفسه؟

 اقرأ أيضا

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: رمضان.. حين يصبح الرشد علاجك الذاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى