كُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: طوبى لأصحاب الشهادات

للمرة المليون جلست أشاهد مسرحية المتزوجون للرائعين سمير غانم وجورج سيدهم، وكالعادة أيضا لم أتوقف عن الضحك لحظة مع كل مشهد وكل إيفيه، ووجدتني هذه المرة أتوقف عند إيفيه ألقاه سمير غانم بعفوية معتادة فعندما سألته لينا، شيرين، عن عمل حنفي، جورج سيدهم، رد قائلا: حنفي عالم ذرات، القصة قديمة إذا، حنفي خريج كلية العلوم قسم الذرة يعمل في المجارى ويحصل على مرتب لا يكفيه مما يضطره للارتباط ببنت المعلم طربقها الجزار لتنفق عليه.

عرضت مسرحية المتزوجون على المسرح لأول مرة في عام ١٩٧٨، أكثر من خمسة وأربعين عاما مرت ولازلنا نعيش نفس السيناريو تقريبا بنفس تفاصيله، طالب جامعي اجتهد وحصل على أعلى الشهادات في أدق التخصصات ليكون مصيره إما العمل في غير مجال تخصصه أو في مجال تخصصه ويحصل على مرتب بالكاد يكفي قوت يومه وقد لا يكفي، وكم من حنفي حولنا يعمل كسائق أوبر أو عامل ديليفري، وعلى الجانب الآخر يتصدر دائما المشهد أصحاب العقول الفارغة وحاملو رسائل الهلس والتفاهة.

نظرة سريعة على المشهد الإعلامي كافية لتتضح الصورة، فلا نكاد ننتقل من قناة إلى أخري إلا ونري نفس الوجوه بنفس المحتوي الفارغ والخالي من أي معني أو مضمون، ما الهدف وراء ذلك؟ ما الرسالة المراد لفت الانتباه لها؟ هل هو اتجاه متعمد ومقصود لافراغ عقول جيل كامل وأجيال قادمة من أي معني والهائها عن أي هدف؟ لماذا لا نري اعلاميا وجوها ونماذجا مشرقة ومشرفة في مجالات أخري؟ لماذا لا يسلط الضوء على نجوم تلمع في سماء العلم والثقافة والأدب والطب والهندسة وكأن سماء الفن فقط هى ما تغطي أفقنا؟ لماذا لا تضاء شاشاتنا فقط إلا لنجوم الفن والكرة وكأنهم هم فقط المنوط بهم بناء الدولة وترسيخ أساساتها وتوجيه الفكر والأجيال؟؟ ما أحوج شبابنا الآن إلى القدوة والمثل والنموذج، وما أكثر ذلك في مصرنا، وتحتاج إلى من يشير إليها ويظهرها للعلن كي تكون خطوة واضحة على درب نأمل أن يسير عليه شبابنا.

كفانا تجاهلا وتكديرا للكوادر الهامة والأساسية وكأنه تعمد لاخلاء الساحة للغث فقط دون السمين، فلا حديث ولا اعلاء إلا لراية الهراء والعبث.

قليل من الالتفات إلى فئة العلم والعلماء، قليل من الاهتمام واعادة النظر لأوضاع أصحابها ورد الاعتبار لهم، فمن المخزي في بلد أن يكون الأعلي قيمة الأقل أجرا والأكثر تهميشا، عار أن يكون أجور أطبائنا ومهندسينا ومعلمينا الأقل فئة، عار أن تطل علينا وجوه مجهولة لتلقي على شبابنا خطبا عصماء في بناء الذات وتحقيق الأهداف بينما يواري أصحاب العلم والخبرة وراء الأبواب.

أعتقد أن المشهد بأكمله يحتاج إلى اعادة صياغة، أنقذوا أصحاب الشهادات قبل أن يهتف شباب الأجيال القادمة جميعا….. لا ذرات بعد اليوم.

موضوعات ذات صلة 

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: دع الموبايل وابدأ الحياة

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: اعملوا تصحوا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى