توبمنوعات

أنوار رمضانية (16).. الفرنسي الشاعر والسياسي لامارتين.. محمد النبي الأعظم في التاريخ على مر العصور

الفونس دى لامارتين، ولد في “21 أكتوبر 1790 ” وتوفى في ” 28 فبراير 1869م”.

كاتب وشاعر وسياسى فرنسى، أحد أكبر شعراء المدرسة الرومانسية الفرنسية، وله جولات كبيرة فى الحياة السياسية.

تولى رئاسة الحكومة المؤقتة، بعد ثورة 1848م، لكنه اعتزل السياسة بعد تولى نابليون الثالث الحكم عام 1852م، ليتفرغ للكتابة والإبداع، لدرجة أنه فى أواخر أيام حياته كان يكتب كثيرًا حتى يستطيع أن يأكل.

أظهر الشاعر والسياسي الفرنسي ألفونس دي لامارتين (1790- 1869) إعجابًا شديدًا بالإسلام ونبيّه محمد صلّ الله عليه وسلم ، متجاوزًا الصور النمطية السائدة في عصره، خاصة بعد زيارته للشرق.

وصف النبي محمد في كتابه “تاريخ تركيا” بأنه أعظم عبقرية في التاريخ، مثنيًا على توحيده للعرب، وأخلاق المسلمين، وتسامحهم.

وأثار الكتاب إعجاباً كبيراً بشخصية النبي محمد صلّ الله عليه وسلم بين المثقفين الغربيين، وأظهر احتراماً عميقاً للإسلام، كما ساهم في كسر الصورة النمطية السلبية السائدة في تلك الحقبة.

واعتبر لامارتين أن دراسة سيرة النبي محمد هي “أعظم حدث في حياته”، مشيداً بقوة عقيدته وتوحيده.

اعتبر لامارتين النبي محمد عبقريًا غير مسبوق، وحرك ملايين الرجال، وأسس ديانة روحية لا تعتمد على الصور.

ذلكم هو محمد . فأي رجل لعمركم قيس بكل هذه المقاييس التي وضعت لوزن العظمة الإنسانية كان أعظم من محمد؟ وأي إنسان صعد هذه المراقي كلها، فكان عظيماً في جميعها غير محمد؟ محمد أقل من إله، وأعظم من إنسان عادي، أي أنه نبي .

إذا كانت عظمة الهدف وضعف الوسائل وضخامة النتيجة هي المقاييس الثلاثة لعبقرية الإنسان، فمن يجرؤ على القيام بمقارنة إنسانية بين رجل عظيم من التاريخ الحديث مع محمّد؟! .

وأضاف: هو  فيلسوف، خطيب، رسول، مشرع، قائد، فاتح أفكار، مُعيد للعقائد ولدين بدون صور، مؤسس لعشرين إمبراطورية على الأرض وإمبراطورية روحانية.

هو ذا محمد.. بجميع المقاييس التي يتم بها تقدير العظمة البشرية، أي إنسان كان أعظم؟

وحاول لامارتين تقريب الإسلام لأذهان الفرنسيين، مؤكدًا أنه لا يفرض سوى الصلاة وفعل الخير، وذلك في سياق محاولته لتصحيح نظرة الغرب للعقيدة الإسلامية.

كان لامارتين فى بداية حياته كثير السفر، وقد كان ينتمى إلى طبقة النبلاء الفرنسيين، وهى أعلى طبقة فى ذلك الزمان، تحت إشراف والدته التي لم تكن تطلب منه أكثر من أن يكون إنساناً حقيقياً وطيباً، كما يقول هو حرفياً.

استطاع لامارتين أن يكمل دراسته في أحد المعاهد اليسوعية، التابعة للمسيحيين، وغادر إلى إيطاليا عام (1811) وبقي فيها حتى عام 1814م، أى حتى سقوط النظام الإمبراطورى بقيادة نابليون بونابرت وعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم ثم راح يهتم بالأدب والشعر وينشر أولى مجموعاته الشعرية عام 1820 تحت عنوان “تأملات شعرية”، وكان يبلغ من العمر وقتها 31 عامًا.

وعقب نشر لامارتين مجموعته الشعرية الأولى حقق نجاحًا كبيرًا فى يوم وليلة، حيث أصبح شاعرًا مشهورًا يشار إليه بالبنان، وبعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ أصدرمجموعة شعرية ثانية تحت عنوان “تأملات شعرية جديدة”، ثم نشر بعد ذلك عدة كتب من بينها موت سقراط، وآخر أنشودة جحيم للطفل هارولد.

وكان لامارتين مناصرًا للثورة الفرنسية رغم أصله النبيل، ولم تمنعه مكتسباتها التى ألغت امتيازات طبقته عن الدفاع عن حقوق الفقراء والمطالبة بإلغاء نظام الرق.

كما أعلن معارضته لحكم الملك “لويس فيليب”، وكان واحدًا من قادة ثورة ١٨٤٨م التى قامت ضده، حتى إنه تقلد المناصب فى حكومة الثورة ووصل إلى منصب وزير خارجية فرنسا، ثم اعتزل الحياة السياسية مع عودة نابليون للحكم عام ١٨٥٢م، وتفرغ للأدب والفن.

ولأنه لم يكن يبحث عن مواقع سلطوى، عانى كثيرًا من شدة احتياجه فى أواخر أيام حياته، واضطر إلى قبول هبة من الدولة فى عام 1867م، ونتج عن ذلك أن وجه له عدد كبير من المثقفين آنذاك انتقاد حادا واتهموه بالتواطؤ مع الديكتاتور المستبد نابليون الثالث.

أعماله

من أشهر أعماله “تأملات شعرية”، و “جوسلين”، و”سقوط ملاك”، و من أشهر قصائده قصيدة البحيرة التي ترجمها للعربية نقولا فياض.

كما أنه أصدر كتابه الشهير  “حياة محمد”، الذى تعرض بسببه إلى حملات فى أوروبا، فقد اعتبره البعض باع نفسه للمسلمين.

مراتب الكمال

وضع لامارتين كتاباً عن: تاريخ تركيا .. وهو يشتمل على ستة مجلدات .. وقد خصص مقدمته للحديث عن نبي الإسلام، وعن السيرة النبوية، وسيرة الصحابة، وذلك بهدف التعريف بالأصول الدينية والفكرية للدولة العثمانية التي يقوم بدراسة تاريخها .

ومثلما فعل ابن خلدون عندما كتب مقدمته لكتاب: وأصبح كتاب لامارتين: حياة محمد، أشهر من كتاب” تاريخ تركيا” .

كتب لامارتين حياة محمد بعد أن جاوز الستين من عمره، وبعد أن ترك العمل بالسياسة.

هذا الكتاب ظل زمناً من الأعمال غير المشهورة للشاعر لامارتين، وذلك بسبب ما ورد فيه من آراء عن الإسلام .. فحينما صدرت الطبعة الأولى عام 1854 قوبل بالرفض من المتعصبين ضد الإسلام، ووجهت إلى لامارتين تهم تصل إلى حد الإلحاد والكفر .

أعظم حدث

أما لامارتين نفسه فيقول: أعظم حدث في حياتي هو أنني درست سيرة رسول الله محمد، وأدركت مافيها من عظمة وخلود .. فأي رجل أدرك من عظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد؟ وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ؟ .

وقال لامارتين يخاطب قومه: أترون أن محمداً كان أخا خداع و تدليس وصاحب باطل؟ أقول كلا، بعدما وعينا تاريخه ودرسنا حياته .. إن الخداع والتدليس والباطل كل ذلك من نفاق العقيدة .. وليس للنفاق قوة العقيدة، وليس للكذب قوة الصدق .

وإذا كانت قوة الصعود والمرمى في علم الطبيعة والحركات الآلية هي المقياس الصحيح لقوة المصدر الذي تنفذ منه الرمية ويظهر في الأفق من القذيفة، فإن العمل والفعل الذي يحدثه المحدث في علم التاريخ وسجل الخلود وكتاب الإنسانية، هو المقياس الصحيح لمقدار الوحي وقوة القلب والوجدان والفكرة السامية العالية التي تنفذ إلى مكان بعيد، وتبقى زمناً طويلاً، وتمشي في الحياة رخية …

ولاريب أن ذلك ينطبق على محمد ورسالته والوحي الذي نزل عليه .. فإن حياته وقوة تأمله وتفكيره وجهاده، ووثبته على خرافات قومه وجاهلية شعبه وخزعبلات قبيلت.

وإن شهامته وجرأته وبأسه في لقاء مالقيه من عبدة الأوثان

وإن ثباته وبقاءه ثلاثة عشر عاماً يدعو دعوته في وسط أعدائه وخصومه في قلب مكة ونواديها ومجامع أهلها.

وإن تقبله سخرية الساخرين وهزء الهازئين، وإن حميته في نشر رسالته وتوفره عليها.

وإن حروبه التي كان جيشه فيها أقل من جيش عدوه، وإن وثوقه بالنجاح وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمة الله.

وإن اطمئنانه ورباطة جأشه في الهزائم وأناته وصبره حتى يحرز النصر.

وإن تطلعه إلى إعلاء الكلمة وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية وإقامة القيصرية، ونجواه التي لاتنقطع مع الله، ثم قبض الله إياه إلى جواره مع نجاح دينه بعد موته.. كل ذلك أدلة على أن محمداً لم يكن يضمر خداعاً أو يعيش على باطل، بل كان وراءه عقيدة صادقة، ويقين مضىء في قلبه .

وان هذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة ألا وهي وحدانية الله، وتجرد ذات الله عن المادة .

فهو محمد النبي ومحمد القائد ومحمد الملك ومحمد المقاتل ومحمد التاجر ومحمد الواعظ أو البشير ومحمد الحكيم ومحمد رجل الدولة ومحمد الخطيب ومحمد المصلح والمجدد ومحمد ملاذ اليتامى ومحمد حامي العبيد ” الرقيق ” والمدافع عنهم  ومحمد محرر النساء  ومحمد القاضي والحكم ومحمد القديس

ولقد كان محمد بطلا في كل هذه المهام الجليلة وفي جميع مجالات النشاط الإنساني على حد سواء

إن حال اليتيم هو منتهى الضعف وانعدام الحيلة

وقـد بدأ محمد حياته يتيما والملك هـو ذروة السلطة المادية وقـد انتهت إليه حياته

محمد اليتيم

وقد تقلب حاله من صبي يتيم إلى لاجئ مضطهد ثم إلى سيد  – بالمفهوم الديني والدنيوي أيضا – لأمة بأكملها ، مقررا لمصيرها بكل ما فيه من تجارب وإغراءات ومخاطر وبكـل ما فيه من تقلبات وتغيرات ومن ضياء وظلام ومن ارتقاء وإنحدار ومن فظاعة وعظمة

لقد قاوم محن الدنيا وخرج منها سالما ليكون مثالا يحتذى في كل مرحلة من مراحل الحياة .

ولم تقتصر إنجازاته على جانب واحد من جوانب الحياة ولكنها شملت أيضا جميع أوضاع البشرية الاجتماعية

محمد الأعظم

لو أن العظمة تكمن في تنقية وتطهير أمة مشربة بالهمجية والتخلف ومنغمسة في ظلام أخلاقي مطلق ، فإن الشخص المتميز بالفاعلية والمليء بالقوة والنشاط الذي استطاع أن يحول ويهذب وينهض بأمة بأكملها غارقة في الحضيض – كما كان حال العرب – ويجعلهم حملة مشاعل الحضارة والمدنية والتعليم ، له كل الحق في هذه العظمة

ولو أن العظمة تكمن في توحيد العناصر المتنافرة والمتضاربة والمتشاكسة والمختلفة في المجتمع برابطة الأخوة والإحسان ، فإن لنبي الصحراء كل الحق لهذا الإمتياز

ولو أن العظمة تكمن في إصلاح هؤلاء الغارقين في أوهام ومعتقدات خرافية منحطة ومخزية وممارسات خبيثة مهلكة متعددة الأنواع ، فإن نبي الإسلام قد بدد الأوهام والمعتقدات الخرافية والمخاوف المنافية للعقل والمنطق من قلوب الملايين

ولو أن العظمة تكمن في نشر الأخلاق السامية ، فإن الأعداء والأصحاب شهدوا لمحمد بأنه الصادق الأمين

ولو أن الفاتح المنتصر رجل عظيم ، فها هو إنسان قد بلغ مرتبة مساوية للأكاسرة والقياصرة بعد أن كان مخلوقا بسيطا يتيما لا حول له ولا قوة . وأسس إمبراطورية عظيمة ظلت كذلك على مدى هذه القرون الأربعة عشرة

ولو أن الحب الشديد الذي يناله القائد هو المقياس للعظمة ، فإن مجرد ذكر اسم هذا النبي له تأثير الرقية الفاتنة – حتى في يومنا هذا – على ملايين الأنفس المنتشرة في جميع أنحاء العالم

لو أن العظمة تكمن في تنقية وتطهير أمة مشربة بالهمجية والتخلف ومنغمسة في ظلام أخلاقي مطلق، فإن الشخص المتميز بالفاعلية والمليء بالقوة والنشاط الذي استطاع أن يحول ويهذب وينهض بأمة بأكملها غارقة في الحضيض – كما كان حال العرب – ويجعلهم حملة مشاعل الحضارة والمدنية والتعليم ، له كل الحق في هذه العظمة

ولو أن العظمة تكمن في توحيد العناصر المتنافرة والمتضاربة والمتشاكسة والمختلفة في المجتمع برابطة الأخوة والإحسان ، فإن لنبي الصحراء كل الحق لهذا الإمتياز

ولو أن العظمة تكمن في إصلاح هؤلاء الغارقين في أوهام ومعتقدات خرافية منحطة ومخزية وممارسات خبيثة مهلكة متعددة الأنواع ، فإن نبي الإسلام قد بدد الأوهام والمعتقدات الخرافية والمخاوف المنافية للعقل والمنطق من قلوب الملايين

ولو أن العظمة تكمن في نشر الأخلاق السامية ، فإن الأعداء والأصحاب شهدوا لمحمد بأنه الصادق الأمين

ولو أن الفاتح المنتصر رجل عظيم ، فها هو إنسان قد بلغ مرتبة مساوية للأكاسرة والقياصرة بعد أن كان مخلوقا بسيطا يتيما لا حول له ولا قوة .. وأسس إمبراطورية عظيمة ظلت كذلك على مدى هذه القرون الأربعة عشرة

ولو أن الحب الشديد الذي يناله القائد هو المقياس للعظمة ، فإن مجرد ذكر اسم هذا النبي له تأثير الرقية الفاتنة – حتى في يومنا هذا – على ملايين الأنفس المنتشرة في جميع أنحاء العالم

النبي الأمي

لم يدرس محمد الفلسفة أو الحكمة في مدارس أثينا أو روما أو فارس أو الهند أو الصين .. ومع ذلك فقد استطاع أن يكشف للبشرية أسمى وأعلى الحقائق الخالدة القيمة . وبالرغم من كونه أميا فقد كان يستطيع الكلام بفصاحة وحماسة تدفع الرجال إلى دموع الفرحة .. ومع أنه ولد يتيما وبلا أموال دنيوية فقد كان محبوبا من الجميع

كما أنه لم يدرس في أية أكاديمية عسكرية ومع ذلك فقد كان يستطيع تنظيم قواته في مواجهة ظروف مروعة وانتصر بواسطة القوات العسكرية ذات الخلق والدين التي كان ينظم ويرتب صفوفها بنفسه

لم يكن امرؤ سوء ، ولم يكن طالب شهوة من أي نوع ، وإلا ما وقره هؤلاء الرجال الوحشيين، الذين قاتلوا وخاضوا الملاحم طوع أمره خلال ثلاث وعشرين سنة ، وهم في ذلك وثيقوا الصلة به دائما ، كل هذا التوقير …

لقد كانوا رجالا وحشيين يندفعون بين الفينة والفينة بقوة إلى التشاجر وكل ألوان التشاحن العنيف . وما كان يستطيع أي رجل أن يقودهم بدون أن يمتلك القيمة الأخلاقية والشجاعة

أو إنكم لتعجبون كيف دعوه واعتبروه نبيا ؟

أو لم يقف وسطهم ظاهرا لهم يواجهونه ويخاطبونه بلا حاجب بينه وبينهم ، غير محاط بأي سر من الأسرار الدينية أو غموض .. فكان يرى وهو يرقع ثوبه ويصلح نعله ، ويقاتل ويستشير ويصدر الأوامر وهو بينهم . فلا بد أنهم أدركوا أي نوع من الرجال كان

ولتسمه ولتدعه ما تشاء .. إنه لم يطع إمبرطورا جليلا متوجها مثلما أطيع هذا الرجل في ثوب رقعه بنفسه

وإنني لأجد أن خوضه ثلاثة وعشرين عاما من التجارب الحرجة الصعبة يستلزم بالضرورة نوعا من البطولة الحقيقية

والأعجب من ذلك ما يقوله القس بوزوورث سميث )لقد كان رئيسا للدولة ولجماعة تدين بنفس العقيدة ، لقد كان يجمع سلطة ومقام قيصر والبابا معا ولكنه بابا بدون خيلاء البابا وغروره ، وقيصر بلا فيلق أو حشوده وبلا جيش عامل ولا حارس شخصي ولا قوة من الشرطة ولا دخل ثابت .

لو أن ثمة رجل كان له الحق في أن يدعي أنه يحكم بالحق الإلهي فقد كان هذا الرجل هو محمد .

فقد كانت معه جميع السلطات من غير أن يكون معه ما يدعمها أو يحافظ عليها .. وقد كانت بساطة حياته الخاصة متطابقة ومنسجمة مع حياته العامة

محمد الطاهر النقي

لقد صارت مساحة تقدر بمليون ميل مربع تحت تصرفه بعد فتح مكة . إن سيد جزيرة العرب كان يصلح نعله ويرتق أو يرفو ملابسه الصوفية الخشنة ويحلب الشياه ويكنس البيت ويوقد النار ويقوم بالأعمال المنزلية الأخرى التي يعهد بها إلى الخدم عادة .

وفي الأيام الأخيرة من حياته كانت المدينة حيث كان يقيم قد صارت أكثر أغنى . وكان الذهب والفضة متوفرين في كل مكان . وعلى الرغم من الرخاء الاقتصادي الذي كانت تشهده المدينة في تلك الأيام فإن أسابيعا كثيرة كانت تمضي من غير أن توقد النار في بيت ملك جزيرة العرب

طعام وبكاء النبي

وكان طعامه يقتصر على ” الأسودان ” التمر والماء .. وكان أهل بيته يبيتون جوعى ليال عديدة متعاقبة لأنه ليس ثمة طعام يأكلونه في تلك الليالي . ولم يكن محمد ينام على فراش وثير وإنما كان فراشه حصيرا مصنوعا من ألياف النخل بعد يوم شاق طويل .. وقضى معظم ليله في الصلاة .

وكثيرا ما كان يندفع إلى البكاء بين يدي خالقه طالبا أن يمنحه القوة للقيام بواجباته.

وكما تذكر لنا الروايات فقد كان صوته يكاد يحبس بسبب بكائه فيبدو كأنه أزير .

وكان كل ما يملكه يوم وفاته هو بضع دراهم ، قسم منها قضى به دين له وأعطى الباقي لبعض الفقراء الذين جاءوا إلى بيته يطلبون إحسانا

والثوب الذي كان يلبسه حينما فاضت روحه إلى بارئها كان به رقعا عديدة

أما البيت الذي طالما انتشر منه النور إلى العالم فكان معتما لأنه لم يكن في المصباح زيتا

الثبات على المبدأ حتى الموت

لقد تغيرت الظروف المحيطة به ولكن نبي الله لم يتغير .. وكانت لمحمد نفس الشخصية سواء في حال النصر أو الهزيمة وسواء في حالة القوة أو المحنة وسواء في ساعة اليسر أو العسرة .. فرسل الله وأنبياؤه لا يتبدلون كما لا تتبدل طرق الله وسننه ونواميسه

محمد الأعظم

يقول المؤرخ الفرنسي لامارتين .. لو أن عظم الغاية وصغر الوسائل وقلة الموارد والنتائج المدهشة هي ثلاثة معايير لعبقرية الإنسان ، فمن يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟

إن أشهر الرجال صنعوا الأسلحة وشرعوا القوانين ووضعوا النظريات وأسسوا الإمبراطوريات فقط . فهم لم يؤسسوا – لو اعتبرنا أنهم أسسوا شيئا يذكر – أكثر من قوى مادية أو سلطات مادية كثيرا ما انهارت وزالت أمام أعينهم

أما هذا الرجل ، محمد ، فإنه لم يحرك ويؤثر في الجيوش والتشريعات والإمبراطوريات والشعوب والأسر الحاكمة فقط ولكنه حرك وأثر في ملايين الرجال ، بل الأكثر من ذلك إنه أزاح الأنصاب  والمذابح والآلهة الزائفة وأثر في الأديان وغير الأفكار والاعتقادات والأنفس

إن فكرة وحدانية الله التي أعلنها ونادى بها ودعا وسط السأم الشديد من النظريات اللاهوتية الخرافية غير القابلة للتصديق كانت في نفسها معجزة بحيث أنه بمجرد أن صرح بها دمرت جميع الاعتقادات الخرافية القديمة

إن صلواته ودعواته المتصلة ، وأحاديثه الغيبية أو مناجاته مع الله ، ووفاته ونجاحه وانتصاره بعد وفاته ، كلها أمور لا تشهد على أنه كان دجالا أو مدعيا للنبوة ولكنها تشهد على إيمان راسخ منحه القوة لكي يحيى ويجدد العقيدة .

وهذه العقيدة كانت ذات شقين هما : وحدانية الله وأن الله ليس كمثله شيء .. فالشق الأول يثبت لنـا ما لله (مـن أسماء وصفات ) والشق الآخر ينفي عنه ما ليس له…

يقول لامارتين: إن ثبات محمد وشهامته وجرأته وصبره فيما لقيه من عبدة الأوثان دليل على أن وراءه يقينا فى قلبه وعقيدة صادقة تحرر الإنسانية من الظلم والهوان، وإن هذا اليقين الذى ملأ روحه هو الذى وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة حطمت آلهة كاذبة، ونكست معبودات باطلة، وفتحت طريقاً جديداً للفكر فى أحوال الناس، ومهدت سبيلاً للنظر فى شئونهم، فهو فاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المحررة للإنسان ومؤسس دين لا وثنية فيه.

ومن أقول لامارتين .. من الواضح أن القرآن فى حرفه وروحه هو الثمرة التى أينعت فى الصحراء بعد بذرة الإنجيل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى