توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»:قهوة العواجيز

في حتة هادية زي الذكريات.. حيطانها بيتسلق عليها الفل والياسمين، والأيام بتعدي زي ورق الشجر في الخريف.. كان فيه مقهى صغير، بيسميه أهل الحتة: «قهوة العواجيز».
مفيش لافتة برّاقة، ولا كراسي فاخرة.. بس ستة رجالة اتعودوا يتجمعوا فيه كل يوم بعد الفجر، يحتسوا قهوتهم المرّة، ويتبادلوا اللي فضل في قلوبهم من حكمة وأمل.
✦ الأناقة
الحاج مصطفى، أكبرهم سنًّا، راجل بيهتم بنفسه زي ما الحداد بيهتم بسيفه. عمامته بيضا زي القطن، وجلبابه مكوي كل يوم من غير ما حد يقوله. وبيقول وهو بيمسح جزمته:
«الأناقة مش كبر يا جماعة.. دي احترام للعمر اللي فاضل. لما جمال الشباب يروح، يفضل جمال الاهتمام بالنفس.»
✦ المشي
أبو طارق كان بيمشي كل صبح ساعة كاملة في الشارع، مش بيستعجل ومش بيتكاسل.. مشيته زي أنه بيتأمل وهو ماشي. مرة حفيده الصغير مسك إيده وقاله:
«جدو.. ليه بتمشي لوحدك؟»
فانحنى ليه وقاله بابتسامة فيها دفا السنين:
«أنا مش لوحدي يا حبيبي.. أنا بامشي مع نفسي اللي طول عمري مكنتش بلاقيلها وقت.»
✦ اشتري الأحسن لنفسك
أما الحاج كريم، فكان طول عمره بيشتري الغالي لولاده ويرضى لنفسه بالأرخص. لحد ما جه يوم لقى نفسه قاعد لوحده، وولاده كبروا ومشوا، والفلوس اللي جمعها هتتقسم من غير ما حد يسأله. بص على كوباية شايه الرخيص.. وقرر في اللحظة دي يشتري أحسن شاي في الدكان. وابتسم لأول مرة من سنين.
✦ هدوء القلب
الشيخ حسان كان بيدهش الكل بهدوءه.. الكلام ما بيزعلوش، والناس ما بتغيّظوش. لما سألوه إيه سر راحته، قالهم من غير ما يفكر:
«في الستين، اتعلمت إن معظم الكلام هوا، وإن الزعل نار بتحرق صاحبها قبل خصمه. متبالش بكلام الناس عنك، الناس مشغولة بنفسها أكتر مما تتخيل.»
✦ ما تخليش الفراغ ياكلك
أبو سامي ما كانش بيسيب الفراغ يدخل عليه من أي شباك. من الفجر وهو قاعد بيقرا وِرده من القرآن، وبعدين بيفتح كتاب أو يتفرج على حاجة تفيده. وكان بيقولهم بحزم هادي:
«الفراغ ده قبر للي لسه عايشين. بعدوا عن أخبار الدنيا اللي بتتعب الروح، ودوروا على اللي يسلّي القلب. طالما عقلك شغال، أنت لسه بتعيش.»
✦ السيب الباب مفتوح
أما العم رشيد، أحكمهم وأهداهم.. فقد مراته من تلت سنين، وولاده اتفرقوا، وقلّ اللي بيزوره. بس هو كان بيتصل بأهله قبل ما يشتكي من غيابهم، وكان بيفتح بابه قبل ما ينتظر حد يطرقه. وكان بيقول بصوت فيه رضا من جوه:
«اللي بيقفل بابه لأن محدش بيطرقه، بيخسر الوقت والصحبة مع بعض. أنا بسيب بابي مفتوح، يدخل النسيم لو محدش جه. في الآخر مش هيفضل معاك غير ربنا، فخليه أقرب واحد لقلبك.»
قعدوا الستة في صبح بارد والقهوة بتدور بينهم، وسكوت حلو لاف المكان. وسألهم أصغرهم، وفي عنيه حاجة زي القلق:
«إيه اللي بيخلي العمر ده يتحمل؟»
بص فيه العم رشيد بهدوء، وقاله بصوت زي الدعا:
«إنك تعرف إن الابتلاء مش اختبار لقوتك.. هو اختبار لحسن ظنك بربنا. كلما قربت منه، قرب منك كل حاجة حلوة.»
سكت الكل، وشربوا قهوتهم.. وبره الشمس كانت بتفتح الأفق بدهب هادي.
«الستين مش نهاية الربيع.. دي بداية الروقان.»
﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ — الطلاق: ٣

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سماء وطني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى