أنوار رمضانية (15 ) الفرنسي إتيان دينيه سحرته «بوسعادة»الجزائرية .. ودافع عن الإسلام ورد على المستشرقين
كتب- صابر رمضان
ألفونس إتيان دينيه، أو نصر الدين دينيه (1861-1929) ، فنان ومستشرق دافع من خلال قلمه وريشته عن الإسلام ورد على بعض المستشرقين وكشف زيغهم وزيفهم
ولد الرسام والمستشرق الفرنسي ألفونس إتيان دينيه في باريس لأسرة من الطبقة البرجوازية، فأبوه هو القاضي البارز فليب ليون دينيه، وأمه سيدة مجتمع هي ماري أوديل باوتشر، وقد درس الفن بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، وعرض أول أعماله في صالون الفنانين الفرنسيين، وهو أحد مؤسسي جمعية المستشرقين الفرنسيين.
وقد لعبت الصدفة دوراً كبيراً في تعميق شغف دينيه بالشرق حين زار منطقة بوسعادة بالجزائر برفقة فريق من علماء الحشرات عام 1884، ثم حالفه الحظ في العام التالي ليقوم برحلة ثانية إلى منطقة الأغواط بمنحة من حكومة فرنسا، وفي ذلك الوقت رسم أول صورتين من الجزائر.
وفي عام 1903، أي بعد زيارته الأولى للجزائر بتسع سنوات، اشترى منزلاً في بوسعادة وأصبح يقضي به تسعة أشهر كل عام، حتى أصبح مفتوناً تماماً بشمال أفريقيا وثقافتها، فتعلم اللغة العربية وأتقنها، وفي النهاية اعتنق الإسلام.
وأعلن إسلامه في رسالة خاصة عام 1908، ثم بعد ذلك بسنوات أشهر إسلامه في زاوية الحامل وغيَّر اسمه من ألفونس إلى نصر الدين دينيه عام 1913، وأدى بعدها فريضة الحج إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته.
ساهم إلمام دينيه بالثقافة واللغة العربية في تميزه عن غيره من الفنانين المستشرقين الذين افتتنوا بشمال أفريقيا كهنري ماتيس وغيره.
قدم أعمالاً ورسومات وصفها النقاد بأنها من النوع القصصي، وعندما تبلور اهتمامه بالإسلام بدأ في رسم لوحات ذات موضوعات دينية.
وتميزت أعماله بدفء ألوانها ودقة تفاصيلها، فلم يكن يرسم بروح المستشرق الغربي، بل كفنان شرقي وبوعي شرقي ، وكأنه ولد شرقياً في الأساس.
زيارة مصر
دينيه زار مصر أيضاً عام 1897 ورسم منظرين بانوراميين للقاهرة القديمة، أحدهما في الصباح والآخر في المساء، وتمت إعادة إنتاجهما في كتاب «سراب: مشاهد من الحياة العربية» عام 1906 الذي نشره صديقه الفنان سليمان بن إبراهيم.
وإلى جانب نقل الحياة بشمال أفريقيا في لوحاته كلوحة «لعبة قمة الغزل» التي تصور مجموعة من الأطفال يلعبون إحدى الألعاب الشعبية، ولوحات للحرملك والحياة اليومية كلوحة «السباحون الصغار على حافة الوادي»، ورسمه الحج والطواف حول الكعبة، وكذلك الصلاة في لوحة «الإمام يؤم الصلاة»، وجلسات المتصوفين، قدم دينيه أيضاً أعمالاً أدبية مهمة.
و دينيه، كان كاتباً ينفذ قلمه إلى أعماق النفس الإنسانية، وكان تشكيلياً يلتمس حياة الناس البسطاء، ويصور همومهم، فتجرد قلمه كما تجردت ريشته من ملونات الاستشراق السياحي التي كانت واضحةً في أعمال غيره من المستشرقين.
إسلامه
يصف دينيه كيفية تعرفه على الإسلام قائلاً: “عرفت الإسلام فأحسست بانجذاب نحوه، وميل إليه فدرسته في كتاب الله، فوجدته هداية لعموم البشر، ووجدت فيه ما يكفل خير الإنسان روحيا وماديا، فاعتقدت أنه أقوم الأديان لعبادة الله، واتخذته دينًا، وأعلنت ذلك رسميا على رؤوس الملأ”.
وألف”ناصر الدين دينيه” كتبا تنصف الإسلام وتعرض حقيقته فسيجد الزائر لكبار المتاحف الفرنسية لوحاته الفنية أيضًا -لكونه من كبار أهل الفن والتصوير- المعبرة عن روح الشرق عمومًا، وعن الإسلام والمسلمين خصوصًا، وعن الجزائر البلد الذي أحبه وأسلم وعاش فيه بشكل أخص.
دينيه .. وسحر الجزائر
يعدّ دينيه واحداً من الذين وقعوا في حب هذه المدينة “بوسعادة” السعيدة الساحرة؛ إذ عاش فيها أكثر سنوات عمره، واهتدى فيها قلبه إلى الإسلام، وبنى فيها بيته الذي أصبح متحفاً لأعماله بعد وفاته، لتكون موطنه الأبديّ بعد أن خصّها بأكثر من 139 لوحة تشكيلية تصوّر جمالها وبيوتاتها وناسها، حتى أصبحت بوسعادة ملهمة الفنان دينيه، فأثّرت في تشكّل فنه وتقنياته وأدواته، فأبدع.
وكان دينيه مثل البوسعاديين ينتظر “قمر رمضان” مشدوداً إلى السماء بعد أن كان مشدوداً إلى الأرض، في بوسعادة أسلم، وفي بوسعادة قضى حياةً فنيةً عامرةً بالعطاء، وفي بوسعادة اليوم ضريحه، وبقية من روحه العطرة، وتراث ثرّي من الإبداع الذي استلهمه ناصر الدين دينيه من بوسعادة، وحياة ناسها البسطاء الطيبين، ومن نسائها الجميلات، وطبيعتها الساحرة، ومن نخيلها الباسق، ومن تمرها الحلو، وهي التي سكنت قلبه، فسكن أرضها إلى الأبد.
العقيدة المحمدية ليست عقبة أمام التفكير
وشاءت الأقدار أن يسافر “دينيه” إلى الجزائر؛ لينتقل بعدها في بلاد المغرب العربي مخالطًا المسلمين ومعايشا لهم، وسامعًا منهم، ومناقشا لهم، ومفكرًا ومتأملاً في دينهم وعقيدتهم ورسالة نبيهم؛ ليكتشف كما يذكر في كتابه “أشعة خاصة بنور الإسلام” أن العقيدة المحمدية لا تقف عقبة في سبيل التفكير، كما كان يروج الكثير من المستشرقين، فمن الممكن أن يكون المرء صحيح الإسلام وفي الوقت نفسه حر التفكير.
وهكذا ظهر له الإسلام كنور أضاء له الطريق فتفاعلت به نفسه وقلبه، فأسلم وتسمى باسم “ناصر الدين”.
عظمة الإسلام وعلمائه
ومن مؤلفاته الكثيرة، و أبرزها: رسالة “أشعة خاصة بنور الإسلام”، وسعى خلالها إلى التأكيد على عظمة الإسلام وعلماء المسلمين.
وفيها يقول: “إنهم يفخرون في فرنسا بالعالم “أستير”، ويجعلونه درة في تاج الحضارة الحديثة، ولكن فاتهم أن “جابرًا” و”الرازي” لا يقلان عنه في مرتبة العلماء والمفكرين، فهما المؤسسان الحقيقيان لعلم الكيمياء بفضل ما كشفاه عن طريق تقطير الكحول ومن اكتشاف حامض النتريك والكبريتيك”.
كما ألف دينيه “الشرق كما يراه الغرب” الذي ترجم للعربية تحت عنوان: “آراء غربية في مسائل شرقية”.
ويرى أن المستشرقين لم يتتبعوا المنهج السليم في الدراسة، إذ إن دارس سيرة الرسول لا بد له من أن يتجرد عن الهوى والعصبية، وأن يعتمد على الأخبار الصحيحة التي رواها المسلمون أول عهدهم بالتدوين، وأن يدرس البيئة العربية في مهدها الأصلي حتى ينجلي له الغامض، ويتضح له المبهم، وتستقيم له الفكرة.
وكان لحج “ناصر الدين دينيه” إلى بيت الله الحرام عام 1928م أن ألف كتاب “الحج إلى بيت الله الحرام” الذي امتدحه الأمير “شكيب أرسلان” بقوله: “أسلم وحج وألف كتابًا عن حجته إلى البيت الحرام من أبدع ما كتب في هذا العصر”.
واشتمل كتاب “الحج إلى بيت الله الحرام” على مقدمة وسبعة فصول وملحق ذي فصلين تقع جميعًا في أكثر من مائتي صفحة، وقد حلاها ناصر الدين بثماني صور من صنع يده للكعبة، والحرم الشريف، ومنظر الحج بعرفات، وصلاة المغرب حول الكعبة، وجبل النور الذي تلقى عنده الرسول الأمين الوحي عند نزوله أول مرة.
دينيه .. ورحلات المستشرقين
وقد تصدى كتابه لرحلات كل من الرحالة السويسري “بيرك هارد” في كتابه “رحلة إلى جزيرة العرب” سنة 1914م، والرحالة الإنجليزي “بيرتون” في كتابه “الحج إلى مكة والمدينة”، والرحالة الفرنسي “ليون روش” الذي قام برحلته إلى الحجاز بتكليف من الجنرال الفرنسي “بيجو” وأصدر كتابه “عشر سنوات في بلاد الإسلام”، والرحالة الفرنسي “لوب ليكو” في كتابه “في بلاد الأسرار حج مسيحي إلى مكة والمدينة”، “وجرفي كول تيلمون” في كتابه “رحلة إلى مكة” سنة 1896م، و”بلغراف” في كتابه “سنة في بلاد العرب الوسطى.
وهو كتاب يُعَد مراجعة شاملة ومنصفة لكل الكتب السابقة كشف فيه الأغراض المبيتة لرحلات المستشرقين، وأنصف، في الوقت ذاته، المستشرقين الذين تحروا الصدق والدقة في كتاباتهم.
كما عالج قضايا، مثل: المستشرقون والقرآن الكريم، المستشرقون واللغة العربية، الاستشراق والخط العربي والدعوة إلى الحرف اللاتيني، الاستشراق والشعر العربي.
كما ألف كتبًا أخرى من ضمنها ما خصصه لملاحظاته وردوده على بعض المستشرقين الذين زعموا أنهم دخلوا الأرض المقدسة خفية، ومما جاء فيه: “زعم كثير من الأوروبيين أنهم دخلوا الأرض المقدسة خفية، وبعد البحث والتدقيق ظهر لنا أن أغلبهم لم يستطع الدخول إليها، وإنما كتبوا رحلات موهومة وأتوا فيها بأخبار مزعومة”.
فساد الترجمات
كما تحدث عن فساد الترجمات التي قدمها الكثير من المستشرقين للقرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك: “… عوض أن يترجم المستشرقون البسملة وهي: “بسم الله الرحمن الرحيم” بالمعنى المفهوم الذي يفهمه جميع المسلمين تلاعبوا بمعناها ما شاء لهم الهوى، فجعلوا الرحمن الذي وصف علَمًا، وصاحوا أنه يوجد معبودان في القرآن وهما: “الله والرحمن”!!.
يتغنى بـ اللغة والخط
وتعرض ناصر الدين في كتبه للطرق التي اتخذها بعض المستشرقين وسيلة للقضاء على الإسلام وهي إعلانهم الحرب على الكتابة العربية، فقد أرادوا إبدال حروف لاتينية بحروفها، زاعمين أنهم يريدون بهذا مصلحة للعرب ولغتهم بمقتضى زعمهم.
كما طالب دينيه الشرق الإسلامي بالثورة على هذه الأفكار، وأشار إلى أنه كفنان يثور ضدها؛ لأنها باطلة، كما وجه نداء حارا إلى زملائه هواة الفنون الجميلة من كل جنس ودين بأن يحتجوا بكل قواهم ضد هذه الدعوات المنطلقة بغضًا بالقرآن الكريم صاحب الخط البديع، فالخط العربي، برأيه، فن جميل لذاته، ويجب الحفاظ عليه قبل كل شيء.
ووصف الكتابة العربية، قائلاً: “الكتابة العربية هي أرقى نوع فني عرفه الإنسان، وأجمل خط يستطيع المرء أن يقول فيه من غير مبالغة: إن له روحًا ملائمة للصوت البشري، موافقة للألحان الموسيقية”.
كما وصف الكتابة العربية بأنها: “عبارة عن مفتاح يكشف عن ألغاز الحركات القلبية الدقيقة، وكأن حروفها خاضعة لقوة روح سارية، فتراها تارة تلتف مع بعضها على أشكال هندسية بديعة مع محافظتها على جميع الأسرار المودعة فيها، وطورًا تراها تنطلق وتقف بغتة كأنها معجبة بنفسها، وتارة تراها تنطلق جارية تتعانق وتارة تتفرق”.
ويضيف: “كلما تأملت في أشكالها الجذابة أخذت أفكاري إلى أحلام بعيدة، ولا يلزمني أن أكون مستعربًا ولا ساحرًا لأتمتع بجمالها الساحر الفريد، بل كل إنسان توجد فيه روح الفن تأسر قلبه هذه الكتابة”.
ويؤكد أن الخط العربي يمتاز على سائر الخطوط بكتابته من اليمين إلى اليسار اتباعًا لحركة اليد الطبيعية، فنجد الكتابة أسهل وأسرع من الكتابات التي تكتب من الشمال إلى اليمين؛ ولهذا كان الفنان الكبير “ليوناردو دافينش” يرسم ويكتب من اليمين إلى اليسار اتباعًا لقاعدة الخط العربي.
وفاة دينيه
وفي ديسمبر سنة 1929م تُوفي “ناصر الدين دينيه” بباريس وصلى عليه بمسجدها الكبير بحضور كبار الشخصيات الإسلامية وغيرها ووزير المعارف بالنيابة عن الحكومة الفرنسية.. ثم نقل جثمانه إلى الجزائر، حيث دفن في المقبرة التي بناها لنفسه ببلدة “بوسعادة” تنفيذًا لوصيته.




