أخبار مصرتوبمنوعات

أنوار رمضانية ( 14) الألماني ويلفريد هوفمان.. سائق جزائري غيّر مساره .. وجرّاح تنبأ له بنهاية سعيدة

كتب- صابر رمضان

ولد الدبلوماسي والمفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في 6 يوليو 1931 بمدينة أشافنبورج الألمانية.

وتوفي في 12 يناير 2020 في مدينة بون الألمانية عن عمر ناهز 89 عاماً، بعد مسيرة حافلة كدبلوماسي، وسفير، وكاتب مدافع عن الإسلام في الغرب.

وأثار كتابه (الإسلام كبديل)، الذي نشر بالألمانية عام 1992، اهتمام ألمانيا والعالم.. ثم صدر له (رحلة إلى مكة)، (الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود)، (الإسلام عام 2000)، (خواء الذات والأدمغة المستعمرة)، (الإسلام كما يراه ألماني مسلم)، إضافة إلى عشرات المقالات واللقاءات والمؤتمرات.

أما أسباب إسلامه، أو طرق دخوله عالم الإسلام، فجاءت كما أوضح في (رحلة إلى مكة)، عبر ثلاث حوادث أو تجارب: إنسانية، وجمالية فنية، وفلسفية.

رد الأم على رسالته

كان مراد هوفمان دبلوماسياً ألمانياً، بل من أبرز صناع السياسة الخارجية الألمانية؛ فإذا به يتحول من ذلك إلى الإسلام بعد أن هداه الله سبحانه وتعالى لاعتناق الإسلام في عام 1980م، وبعد قناعة تامة منه أعلن ويلفريد هوفمان اعتناقه للدين الإسلامي وسمى نفسه مراد هوفمان وتحول من دبلوماسي إلى داعية إسلامي وأصبح جندياً من جنود الإسلام يدافع عن الإسلام برؤية عصرية.

نال شهادة دكتور في القانون من جامعة هارفرد ، وشغل منصب سفير ألمانيا في المغرب.

في مقتبل عمره تعرض هوفمان لحادث مرور مروّع ، فقال له الجرّاح بعد أن أنهى إسعافه : “إن مثل هذا الحادث لا ينجو منه في الواقع أحد ، وإن الله يدّخر لك يا عزيزي شيئاً خاصاً جداً”

وصدّق القدر حدس هذا الطبيب إذ اعتنق د.هوفمان الإسلام بعد دراسة عميقة له ، وبعد معاشرته لأخلاق المسلمين الطيبة في المغرب..

ولما أشهر إسلامه حاربته الصحافة الألمانية محاربة ضارية ، وحتى أمه لما أرسل إليها رسالة أشاحت عنها وقالت :”ليبق عند العرب” !

قال لي صاحـبي أراك غريبـــاً ** بيــن هــذا الأنام دون خليلِ

قلت : كلا ، بــل الأنـامُ غريبٌ ** أنا في عالمي وهذي سـبيلي (3)

ولكن هوفمان لم يكترث بكل هذا ، يقول : “عندما تعرضت لحملة طعن وتجريح شرسة في وسائل الإعلام بسبب إسلامي ، لم يستطع بعض أصدقائي أن يفهموا عدم اكتراثي بهذه الحملة ، وكان يمكن لهم العثور على التفسير في هذه الآية ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .

مواقف غيرت رؤيته

هوفمان شاء قدره أن يعمل ممثلاً للقنصلية الألمانية بالجزائر خلال عامي 1961، 1962 وهي الفترة التي شهدت ذروة نضال الشعب الجزائري ضد القوات الفرنسية، وتشكيلات المستوطنين  الفرنسيين المسلحة التي عرفت باسم “منظمة الجيش السري”، التي ارتكبت أبشع الجرائم ضد المدنيين العزل .

وقد وقف هوفمان شاهد عيان على ذلك حين طلب منه أحد الفرنسيين – باعتباره غربي مثله يشاركه الرؤية العنصرية ضد العرب- أن يدهس أحد العرب بسيارته، ولما امتنع عن ذلك أقدم الفرنسي على قتل العربي بدم بارد ثم سار بتؤدة وعلى مهل في شوارع الجزائر.

وكتب هوفمان عن هذه الذكريات : شكلت تلك الوقائع خلفية أول احتكاك لي عن قرب بالإسلام المعاش.. لقد لاحظت مدى تحمل الجزائريين لآلامهم، والتزامهم الشديد في رمضان، ويقينهم بأنهم سوف ينتصرون، وسلوكهم الإنساني وسط ما يعانون من آلام..

ولقد أدركت إنسانيتهم في أصدق صورها حينما تعرضت زوجتي للإجهاض تحت تأثير الأحداث الجارية آنذاك..

ويستطرد هوفمان بأن زوجته التي كانت تعاني آلام المخاض كادت تفقد حياتها بفضل إرهاب منظمة الجيش السري حين قامت باستبدال الأسماء العربية للحي الذي كان يقطنه بأخرى لاتينية مثيرة لاستفزاز العرب، مما أعاق وصول سيارة الإسعاف إليها، فاضطر لاستئجار سيارة يقودها سائق جزائري، ومع تعذر الوصول للمستشفى بسبب الحواجز الفرنسية ساءت حالة الزوجة كثيراً ودون تردد عرض السائق أن يتبرع ببعض من دمه الذي هو من نفس فصيلتها إنقاذاً لحياتها.. وهو ما دفعه للبحث جدياً عن منطلقات ومحددات السلوك لدى الجزائريين ولم يجد أفضل من قراءة ترجمات القرآن لتعطيه تفسيراً مقبولاً لها.

وبعد إسلامه ابتدأ د.هوفمان مسيرة التأليف و من مؤلفاته، كتاب (يوميات مسلم ألماني) ، و(الإسلام عام ألفين) و(الطريق إلى مكة) وكتاب (الإسلام كبديل) الذي أحدث ضجة كبيرة في ألمانية .

التوازن بين المادة والروح

يتحدث د.هوفمان عن التوازن الكامل والدقيق بين المادة والروح في الإسلام فيقول : “ما الآخرة إلا جزاء العمل في الدنيا ، ومن هنا جاء الاهتمام في الدنيا ، فالقرآن يلهم المسلم الدعاء للدنيا ، وليس الآخرة فقط ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ).. وحتى آداب الطعام والزيارة تجد لها نصيباً في الشرع الإسلامي.

انتشار الإسلام

ويكشف د.مراد ظاهرة سرعة انتشار الإسلام في العالم، رغم ضعف الجهود المبذولة في الدعوة إليه بقوله :إن الانتشار العفوي للإسلام هو سمة من سماته على مر التاريخ ، وذلك لأنه دين الفطرة المنزّل على قلب المصطفى .

ويضيف : الإسلام دين شامل وقادر على المواجهة ، وله تميزه في جعل التعليم فريضة ، والعلم عبادة … وإن صمود الإسلام ورفضه الانسحاب من مسرح الأحداث ، عُدَّ في جانب كثير من الغربيين خروجاً عن سياق الزمن والتاريخ ، بل عدّوه إهانة بالغة للغرب.

ويتعجب هوفمان من إنسانية الغربيين المنافقة فيكتب:

” في عيد الأضحى ينظر العالم الغربي إلى تضحية المسلمين بحيوان على أنه عمل وحشي ، وذلك على الرغم من أن الغربي ما يزال حتى الآن يسمي صلاته (قرباناً) ! وما يزال يتأمل في يوم الجمعة الحزينة لأن الرب (ضَحَّى) بابنه من أجلنا!

موعد الإسلام الانتصار

يقول هوفمان : لا تستبعد أن يعاود الشرق قيادة العالم حضارياً ، فما زالت مقولة “يأتي النور من الشرق ” صالحة”.

إن الله سيعيننا إذا غيرنا ما بأنفسنا ، ليس بإصلاح الإسلام ، ولكن بإصلاح موقفنا وأفعالنا تجاه الإسلام.

وكما نصحنا المفكر محمد أسد ، يزجي د.هوفمان نصيحة للمسلمين ليعاودوا الإمساك بمقود الحضارة بثقة واعتزاز بهذا الدين ، يقول :

“إذا ما أراد المسلمون حواراً حقيقياً مع الغرب ، عليهم أن يثبتوا وجودهم وتأثيرهم ، وأن يُحيوا فريضة الاجتهاد ، وأن يكفوا عن الأسلوب الاعتذاري والتبريري عند مخاطبة الغرب ، فالإسلام هو الحل الوحيد للخروج من الهاوية التي تردّى الغرب فيها ، وهو الخيار الوحيد للمجتمعات الغربية في القرن الحادي والعشرين..

ويرى أن الإسلام هو الحياة البديلة بمشروع أبدي لا يبلى ولا تنقضي صلاحيته ، وإذا رآه البعض قديماً فهو أيضاً حديث ومستقبليّ لا يحدّه زمان ولا مكان ، فالإسلام ليس موجة فكرية ولا موضة، ويمكنه الانتظار  .

هكذا كانت غيرة الكاتب مراد هوفمان على الإٍسلام. ولا يحتاج إلى تعريف، فمنذ سنوات والمسلمون يتابعون مؤلفاته وكتاباته ونشاطاته الإسلامية، ويعلمون كثيراً عنه منذ اعتنق الإسلام عام 1980م أثناء عمله في السلك الدبلوماسي الذي امتد 33 عاماً، وكانت آخر محطات عمله في المغرب، عندما أحدث ضجة لفتت الأنظار إليه داخل ألمانيا وخارجها بنشره عام 1996م كتـاب (الإسلام كبديل)، الذي يعتبر من (أجرأ) ما نُشِر باللغة الألمانية فهو على النقيض من كتب عديدة أخرى، لا يعرض بعض جوانب الإسلام عرضاً تقليديّاً، ولا ينطلق من منطلق الدفاع عنه تجاه ما يتعرض له من صور عدائية؛ بل يطرحه باعتباره البديل الضروري والأفضل مما يعتنقه المجتمع الغربي من تصوُّرات في مختلف الميادين.

وفاة هوفمان:

توفي الدبلوماسي والمفكر الألماني المسلم مراد ويلفريد هوفمان يوم 13 يناير 2020 في مدينة بون الألمانية عن عمر ناهز 90 عاماً ،بعد صراع طويل مع المرض.

رحل هوفمان بين أحبائه بعد حياة حافلة بالدبلوماسية والتأليف في الفكر الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى