أخبار اليومتوبمنوعات

أنوار رمضانية (12) .. البريطاني بيكتال جاء إسلامه دراماتيكيا ومثيرا وخاض معارك لترجمة القرآن

مارمادوك بيكتال .. أو محمد مارمادوك بيكتال ،الأديب والكاتب الصحفي، الذي يعرف أكثر ما يعرف بترجمته لمعاني القرآن، والتي كانت أول ترجمة يقوم بها بريطاني مسلم، حيث نشرت عام 1930، وكان كل ما سبقها من ترجمات قد قام بها مستشرقون.

محمد مارمادوك بكتال ولد عام 1875 وتوفى فى عام 1936 وهو بريطانى “رحال” مختص فى الدين الإسلامى.

التأثر بالثقافة الإسلامية والقرآن الكريم

أسلم الكاتب والدبلوماسي البريطاني محمد مارمادوك بكتال (1875-1936) عن قناعة فكرية وثقافية عميقة بعد دراسة مستفيضة للشرق والإسلام، متأثراً بجمال الثقافة الإسلامية ومعاني القرآن، مما أدى لإشهار إسلامه رسمياً عام 1917، ليصبح أول بريطاني يترجم القرآن إلى الإنجليزية بأسلوب أدبي رفيع معتمد من الأزهر.

وأظهر بكتال اهتماماً مبكراً بالشرق الأوسط والثقافة الإسلامية من خلال رحلاته وكتاباته قبل اعتناقه للإسلام.

ولم يكن إسلامه نتيجة حادث مفاجئ، بل تطوراً منطقياً لفهمه وفلسفته حول الإسلام، ورفضه للتعصب الغربي تجاهه.

إسلام بيكتال مثيرا ودراماتيكيا؟

وجاء إسلام الروائي والصحفي البريطاني مارمادوك بيكتال  مثيرا لكونه تحولاً فكرياً وموقفاً سياسياً شجاعاً وسط الحرب العالمية الأولى.. مفضلاً الحقائق التي عرفها عن الإسلام خلال رحلاته على الدعاية البريطانية، متحدياً خلفيته كابن قس،.

وجاء إسلام الروائي والصحفي البريطاني مارمادوك بيكتال  مثيرا لكونه تحولاً فكرياً وموقفاً سياسياً شجاعاً وسط الحرب العالمية الأولى.. مفضلاً الحقائق التي عرفها عن الإسلام خلال رحلاته على الدعاية البريطانية، متحدياً خلفيته كابن قس،.

وكان معروفاً بتأييده للدولة العثمانية ومناهضته للدعاية البريطانية والفرنسية، حيث اشترط عند تجنيده ألا يقاتل المسلمين.

ونشأ في أسرة مسيحية عريقة لأب قس، مما جعل اعتناقه للإسلام صدمة للمجتمع البريطاني.

المولد والبداية

ولد مارمادوك في لندن لأب ينتمي إلى رجال الدين الأنجليكانيين، وأم من أصول أيرلندية، وعاش طفولته في ريف مقاطعة سوفولك إلى الجنوب الشرقي من لندن.

وعندما توفي والده وهو ابن خمس سنوات، انتقلت الأسرة إلى لندن، وهو ما مثل صدمة نفسية للصبي الصغير من بلد شاعري إلى منزل بارد ومدينة بائسة، وهو ما كان بمثابة ضربة عميقة للروح كما عبر عبد الحكيم مراد في السيرة الموجزة التي كتبها عن بيكتال.

وفي لندن ازداد خوف مارمادوك من الأماكن المغلقة المقيدة الحرية عندما أدخلته أسرته مدرسة هارو الداخلية، وقد كانت من أسوأ تجارب حياته، لكن الأصدقاء فيها كانوا عزاءه الوحيد.

وفي خلال تلك الفترة اكتسب شغفه بتسلق الجبال، وظهرت موهبته الفائقة في تعلم اللغات، والتي بدأها بتعلم اللغات الويلزية والأيرلندية، وبسبب تفوقه في اللغات كان يتطلع إلى الحصول على وظيفة في وزارة الخارجية، وعندما لم ينجح في الحصول عليها، عاش فترة من الإحباط إلى أن دعاه أحد المعارف إلى الالتحاق به في فلسطين ليتعلم العربية على أمل أن يساعده ذلك في الحصول على عمل.

اشتهر بترجمته لمعانى القرآن الكريم إلى الإنجليزية والتى كتبها بأسلوب أدبى شعرى.

وكان مارمادوك بكتال روائياً وصحفياً وقيادياً دينياً وسياسياً، أعلن تحوله من المسيحية إلى الإسلام بشكل دراماتيكى مثير عقب تقديمه لخطاب حول “الإسلام والتقدم” فى 29 نوفمبر، 1917.

وقد عاش عامين هناك من سن 18 إلى 20 عاما، يتجول بحرية بين أهالي فلسطين ولبنان وسوريا، فكأنما أشرقت روحه من جديد، حيث ملك حب الشرق وشعوبه عليه قلبه، وهناك أتقن العربية، وافتتن بالإسلام، وبشعور عامة الناس بالحرية والرضا.

وفي عام 1896 عاد بيكتال إلى لندن، وتزوج ومن ثم سافر إلى جنيف، وهناك تابع أوساطها الأدبية، وافتتن بجمال طبيعتها، يقول عبد الحكيم مراد عن تأثير تلك الفترة عليه:

عند شواطئ بحيرة ليمان، اكتسب الروائي المنتظر حبه للضوء، والذي أصبح فيما بعد أحد نقاط القوة والسمات المميزة لنثره الناضج، وزاد من استعداد قلبه للإسلام”.

وفي عام 1903 نشر ثاني رواياته والتي كانت من وحي سفره الأول لفلسطين وما حولها وهي رواية “الصياد سعيد” Said The Fisherman، والتي لاقت نجاحا كبيرا، وأثنى عليها المجتمع الأدبي حينئذ، ومن ثم توالت أعماله الأدبية التي عبرت عن أجواء الشرق، أو عن موطن طفولته في سوفولك.

وفي عام 1907 دعته أسرة من رجال إدارة الاحتلال البريطاني لمصر إلى زيارتهم، ومن ثم جال في شمال مصر وجنوبها، ليخرج بمجموعة من القصص القصيرة ورواية “أبناء النيل” Children of the Nile.

وبداية من عام 1909 بدأ مسيرة جديدة من خلال كتابة مقالات حول شئون الشرق الأوسط في عدة صحف، أبرزها صحيفتي “أثينيوم” Athenaeum و”نيو إيدج” New Age متناولا فيها أحدث الكتب والأعمال الأدبية عن تركيا وفلسطين ومصر، كما قام بمراجعة وتحرير كتاب صديقه القس الإنجيلي في دمشق جيمس هاناور James Hanauer والذي يتضمن مختارات من الحكايات الإسلامية والمسيحية واليهودية بعنوان “فولكلور الأرض المقدسة” Folklore of the Holy Land.

في مقالاته عن الشرق الأوسط أبدى بيكتال اهتماما وتعاطفا مع أمم الشرق، وخاصة الدولة العثمانية، وانتقد سياسات بلاده الخارجية التدخلية تجاهها، كما انتقد تناول الصحف البريطانية لتلك القضايا، خاصة ما يتعلق منها بالبلقان والأرمن.

السفر لتركيا

وفي عام 1913 أراد بيكتال أن يرى بعينيه ما يجري على الأرض، ومن ثم سافر إلى تركيا حيث أقام هناك بضعة أشهر يتجول في عدة مناطق، ويلتقي بشخصيات من الأتراك الجدد والاتحاديين، ومن الأجانب المقيمين هناك، ومن ثم نشر عدة مقالات في “نيو إيدج” جمعها عام 1914 في كتاب بعنوان “مع الأتراك في زمن الحرب” With the Turk in Wartime.

كانت تلك الفترة من الفترات العصيبة في حياته، حطمه مزاج الانتصار، وكما يعبر عبد الحكيم مراد فقد كان المزاج الإنجليزي المعبأ بالحرب المقدسة هو الذي أخرجه أخيرًا من إيمان آبائه.

وفي دراسة الإسلام والقرآن، وفي محاضرة له في نوفمبر من عام 1917 أعلن بصراحة ووضوح عن إسلامه.

ثم شيئا فشيئا أخذ مكانه وسط المجتمع المسلم في بريطانيا آنذاك، فألقى المحاضرات والخطب، وتولى إدارة الصحيفة الأسبوعية “ذا مسلم أوتلوك” The Muslim Outlook والتي كان يصدرها مجموعة من الهنود المسلمين في بريطانيا المخلصون لفكرة الخلافة، والتي اعتبرها الحكم البريطاني في الهند تهديدا خطيرا، ومن ثم فتح وضعيته تلك آفاقا للانتقال إلى المرحلة الأهم في حياته، حيث انتقل عام 1919 إلى الهند ليتولي تحرير صحيفة “بومباي كرونيكل” Bombay Chronicle.

في غضون ستة أشهر من توليه رئاسة تحرير الصحيفة، تضاعف تداولها، من خلال دعوة حكيمة ولكن حازمة للتطور الهندي نحو الاستقلال، كان بيكتال شريكا مقربا لغاندي، أيد رفض العلماء للمقاومة العنيفة للحكم البريطاني، ومعارضتهم للهجرة المتزايدة للمسلمين الهنود إلى أفغانستان المستقلة.

 كتاب أبناء النيل

درس الشرق ونشر العديد من المقالات والروايات حوله، كما نشر ترجمة معانى القرآن الكريم التى أعدها والتى حظيت بإقرار وموافقة الأزهر عليها، واعتبرها البعض إنجازاً أدبياً كبيراً.

وما يزال إرث بكتال يحظى بكثير من الاهتمام من قبل المسلمين الجدد على سبيل الخصوص.

وظهر كتابه أبناء النيل، الذى صدرت ترجمته عن الدار المصرية اللبنانية،وكأننا أمام بانوراما متعددة المشاهد والأحداث والشخصيات.. أبدع من خلالها المؤلف لارتباطه النفسى العميق بالزمان والمكان وذلك قبيل الاحتلال الإنجليزى لمصر، والخط الدرامى فيما قدمه لنا من شخصيات عامة وبارزة، مصرية وغير مصرية، تكاتفت فيما بينها لتجعل التاريخ خادمًا مخلصًا للأدب.

وجاءت الترجمة لتنسينا – أوقات كثيرة – أننا أمام عمل مترجم، حين تكشف بأدق ما يكون العمق عن مشاعر الحب والفراق والوطن والنجاح والإخفاق..

لقد نجح الاثنان معًا (التاريخ والأدب) فى أن يقدما لنا تلك المتعة التى تجعلنا نحيا ذلك الزمن.

الأزهر الشريف .. ومعاركه لترجمة القرآن

لكن أهم ما أنجزه في فترة حياته الهندية والتي امتدت 16 عاما، هو قيامه بترجمة معاني القرآن الكريم بتكليف من الأمير وذلك حينما طلب منه التفرغ لذلك الأمر بداية من عام 1928، وبعد أن أتم ترجمته لمعاني القرآن حرص على السفر إلى مصر لاعتمادها من الأزهر الشريف، وبعد معركة فكرية مع الشيخ محمد شاكر الذي كان رافضا لمبدأ الترجمة، لكنه استطاع كسب المعركة عندما خاطب، باللغة العربية، حشدا كبيرا من العلماء، بمن فيهم الشيخ رشيد رضا، موضحا الوضع الحالي للإسلام في العالم، والإمكانيات الهائلة لانتشار الإسلام بين الناطقين بالإنجليزية، وفازت حجته واستطاع أن يحظى بدعم شيخ الأزهر الأسبق الشيخ مصطفى المراغي.

ومن ثم طبعت الترجمة في الولايات المتحدة أولا ثم في بريطانيا، عام 1930 تحت عنوان “معاني القرآن المجيد” The Meaning of the Glorious Koran وحظيت بقبول واسع من المسلمين، وطبعت منها 7 طبعات حتى عام 2011، على الرغم من أن لغتها اليوم صارت لغة أحفورية بعض الشيء كما يقول الدكتور محمد عبد الحليم في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم.

وفاته

في عام 1935 بدأت صحة بيكتال في الاعتلال، ومن ثم عاد إلى بريطانيا ليتوفى في مايو من عام 1936 عن عمر يناهز 61 عام، ويدفن في مقبرة بروكوود الشهيرة قرب لندن، تاركا خلفه تراثا كبيرا من الأعمال الروائية والقصصية والمقالات والمحاضرات فضلا عن أجل أعماله وترجمته لمعاني القرآن الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى