د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: رمضان.. حين يصبح الرشد علاجك الذاتي
كم مرة شعرت أنك تتحرك كثيرًا… لكنك لا تتقدم؟
كم مرة شعرت أن الحياة تجري أسرع منك؟ وأنت تلهث خلفها دون أن تعرف إلى أين؟
كم مرة استنزفت طاقتك في أشياء لا تُثمر، وأنك تمضي الكثير من الوقت بين ما لا يرفعك وما يثقل قلبك، دون أن تنتبه متى فقدت اتجاهك الصحيح وضللت الطريق تدريجيًا ؟
نحن لا نضيع فجأة.. بل نضيع تدريجيًا, حين نعتاد الاستنزاف، حين نقبل بما لا يشبهنا، حين نستمر في مسلسل العطاء بلا مقابل لأشخاص أنانيين , كم تعودوا منا العطاء بلا حدود.
وفي هذا الشهر الفضيل، يمنحنا الله فرصة نادرة: فرصة لتصحيح المسار، لتجربة أعمق من الصبر… لتجربة الرشد.
الرشد ليس عمرًا متقدمًا، ولا كثرة معلومات، ولا ذكاءً حادًا.
الرشد هو أن ترى الواقع كما هو، لا كما تشتهي أن تراه أنت, أن تصيب وجه الحقيقة في نفسك قبل أن تبحث عنها في الآخرين, أن تختار ما يرفعك، حتى لو كان أصعب, وأن تترك ما يستهلكك، ولو كان مألوفًا.
الرشد هو لحظة انتقالك من ردّ الفعل السطحي إلى الفعل الواعي العميق, من الانفعال إلى البصيرة, من الضجيج الصاخب إلى القرار السليم.
في رمضان، نحن لا نجوع فقط… نحن نتدرّب على الاختيار, نختار أن نمتنع رغم قدرتنا، أن نصبر رغم رغبتنا، أن نهدأ رغم الضوضاء, وهنا يولد الرشد.
كل يوم هو تمرين روحي على إدارة النفس وظبطها, كل صلاة إعادة توجيه رباني, كل لحظة صمت مراجعة داخلية؛ ليس لأننا ننسحب من العالم، بل لأننا نتعلم كيف نعيش فيه دون أن نُستنزف.
الرشد يعني أن تقول “لا” حين تستنزفك الأشياء, أن لا تزرع في أرض بور، مهما أغرتك المساحة, وأن تعيش بجانب من يحبونك بصدق, حينها ستجد السلام الداخلي، ويخفّ عنا ذلك الضغط الذي ينهك الجسد والروح.
الرشد يعني أن تفهم أن الضربة التي لم تقتلك لم تأتِ عبثًا، بل لتعيد تشكيلك, فالضربة التي لا تقتلني …..تقويني, قالمعاناة لا تُلغى، لكنها لا يجب أن تضيع داخلك.
يضخّم الشخص غير الراشد البلاء، يقرأ الألم بعاطفة مضطربة، يخلط بين الحدث وتأويله.
أما الراشد…فيرى البلاء جزءًا من المسار، يميز بين ما يملك وما لا يملك، يتحرك في الاتجاه الصحيح ولو ببطء.
الرشد لا يزيل الألم، لكنه يصحح زاوية النظر إليه, وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه العلاج الذاتي.
العلاج الذاتي ليس إنكارًا للضعف، بل وعيًا به. ليس هروبًا من الواقع، بل قراءة صحيحة له.
هو أن تهدئ نفسك، تراجع أفكارك، تصحح مسارك، دون أن تنتظر من العالم أن يتغير أولًا.
ولهذا لم يقل القرآن الكريم : ومن يُؤتَ العلم فقد أوتي خيرًا كثيرًا، بل قال: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾سورة البقرة، الآية 269.
لأن العلم قد يملأ الرأس،أما الحكمة فتهذّب القلب.
الرشد هو الثمرة العملية لهذه الحكمة النظرية حين تتحول إلى قرار… صائب وعملي؛ إلى موقف واعٍ، إلى “لا” نقولها في وقتها، و”نعم” نقولها عن وعي, فمن يحصل على الحكمة يصبح قادرًا على تحويل المعرفة إلى فعل صالح، وإدراك معنى الأمور، وفهم الحكمة وراء التجارب والابتلاءات
الرشد ليس بطولة عقلية، ولا استعراضًا فكريًا، بل لحظة صدق بينك وبين الله تقول فيها:
“يا رب، لا أريد أن أربح العالم وأخسر نفسي.”
في القرآن الكريم ، لم يطلب أصحاب الكهف النجاة فقط، بل طلبوا أن يُهيَّأ لهم من أمرهم. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَشَدًا﴾ سورة الكهف، الآية–10 , ولم يطلب موسى عليه السلام من العبد الصالح (الخضر) علمًا مطلقًا، بل طلب رشدًا؛ أي القدرة على فهم الحكمة وراء ما لا يبدو مفهومًا. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ قَالَ أَتَتَّبِعُنِي عَلَى أَنْ أُعَلِّمَكَ مِنْ مَا عُلِّمْتُ رُشْدًا﴾ سورة الكهف، الآية 66
الرشد هنا , هو الحكمة العملية التي تؤهلنا لاتخاذ قرارات صائبة, و أقوى من مجرد المعرفة النظرية, إنه اصطفاء ونور داخلي مع الهداية, نور يُهيّئه الله، لكن الإنسان يمارسه بالاختيار والسعي.
وربما ليست مشكلتنا أننا لا نعرف…بل أننا لا نحسن الاختيار.
وربما كان رمضان فرصة لنتعلم كيف نختار، لا بدافع الشهوة، ولا بدافع الخوف، ولا لإرضاء الناس، بل بدافع البصيرة.
ليس العمر وحده يقيم الرشد، ولا تراكم التجارب يصنعه. الرشد لحظة توقف أمام الذات، لحظة صدق مع القلب والعقل، حيث ترى الحقيقة كما هي، لا كما تريد أن تراها، وتختار الطريق الذي يرفع روحك ويصقل قلبك.
قد يكون الإنسان كبيرًا في السن، لكنه سفيه القرار، وقد يكون شابًا، لكنه رشيد الرؤية. النضج تراكم سنوات… أما الرشد فهو إصابة اختيار، وهنا يكمن سر قوته: يختصر المراحل، لأن من يسير بالوعي والرشاد، حتى ولو ببطء، لا يضيع في دوائر الزمن الطويلة، بل يمضي في الحياة بثبات، كمن يمشي على نور داخلي يرشده.
ربما لا يحتاج رمضان إلى معجزات… بل إلى قرار واحد راشد
ما الشيء الذي ما زلت تتمسك به رغم أنه يثقل قلبك؟
وماذا لو كان أول قرار راشد في رمضان هذا العام هو أن تقول له “لا” ؟ لا لكل علاقة , فكرة, أخذت منك أكثر مما أعطتك ؟ واستنزفتك حتى كدت تنسى نفسك دون أن تشعر.
اقرأ أيضا
د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: الصيام جوع الجسد وامتلاء الروح




