توبكُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب: حكايات من دفتر المواطنة الشعبية (3) .. «المنوفي لا يلوفي ولو أكلته لحم الكتوفي»!!

في دليل الأمصار اسم المنوفية نسبة إلى مدينة «منوف»، وهي مدينة فرعونية قديمة اسمها «بير نوب»، أي بيت الذهب ، ثم أصبح اسمها القبطي «بانوفيس»، وبعد دخول الإسلام مصر قُلِبت الباء ميمًا في اللغة العربية فأصبحت «مانوفيس»، وعلى مدار الأجيال المتعاقبة أصبحت تُنطق بالعامية «منوف» اختصارًا لاسم «مانوفيس»، وظلت منوف عاصمة لإقليم المنوفية حتى 1826م، وحتى نقل محمد علي عاصمة المديرية من «منوف» إلى مدينة «شبين الكوم» لتوسط موقعها بين أنحاء المديرية.

بيت الذهب «منوف» تتكون من مجموعة من العزب: عزبة «المحطة» بمحاذاة محطة السكك الحديدية، وعزبة «الحصوة» في اتجاه قرية «برهيم»، وهي بلدة معروفة بمكامير الفول المدمس، وعزبة «الكنيسة» ملاصقة لعزبتنا تمامًا «عزبة المغربي»، وتُعرف عزبة الكنيسة بكنيستها ذات المنارة العالية، وعزب أخرى عديدة وفقيرة، جميعها تحسد الناحية البحرية، التي كانت تضم علية القوم من المتعلمين وبقايا الأسر الإقطاعية والرأسمالية، وموطن كبار الموظفين والعائدين من الخليج ممن فتح الله عليهم بإعارة.

وإذا كان حظ الناحية البحرية هواءً طيبًا من حقول وبساتين غنّاء تهب من غيطان قرى «تيتا .. و غمرين»، فلهذه القرية موقف وطني مجيد في العام 1798 بردع الجنرال الفرنسي «فوجير» من أن يطأ بقدميه أرض المنوفية، واستُشهد نحو خمسمائة من رجالها السمر الشداد في موقعة غابت تمامًا عن المؤرخين الثقاة .

كما أن التاريخ سيسجل لمنوف (المدينة وقراها) موقفًا مجيدًا بقطع رجل الإخوان، منوف المدينة التي قالت (لا) للإخوان ولرئيس الإخوان، ولم يدخلها إخواني قط إلا بعد توبة معلنة، أو يتوقى من التقية ويلزم عدم الإفصاح .

المنايفة يكرهون الإخوان، ويشمون رائحتهم عن بعد.. الإخوان تفوح منهم رائحة الأنيسون أو اليانسون.. لا يشربون الشاي عادة، وهو مزاج المنايفة.

قبل قدوم صعايدة قبلي للالتحاق بمعهد الهندسة الإلكترونية الوحيد في مصر قبل شيوع الهندسة الإلكترونية في ربوع البلاد، لم تأنس المنوفية للغرباء، وربما هذا تفسير للجفوة التي تجسدت أمثالًا شعبية تحزن المنايفة، كان العامة يسمونه «المعهد الإلكتروني»، ويقصده طلاب الصعيد بأفكارهم الصعيدية في أول تزاوج بشري بين قلب الدلتا والصعيد، ولعب المعهد دوره في تغيير بنية منوف المجتمعية بعد أن قصدها الغرباء .

ربما لم تر منوف ظاهرة «الجلابيب البيضاء» إلا مع هبوط بعض هؤلاء يحملون أفكارًا متطرفة كانت شائعة في جامعات الصعيد، تحديدًا أسيوط والمنيا، وتخرج فيها جل زعامات التطرف، التي انتهت باغتيال الرئيس السادات، ومسقط رأسه ميت أبو الكوم منوفية أيضًا.

**

سنوات السادات تركت بصماتها على المجتمع المنوفي، تحول كامل من ثقافة السمك «البكلاه»، اشتهر منوفيًا بالسمك الروسي، إلى ثقافة الفراخ البيضاء، اختفى السمك الروسي تمامًا، وكان يميز حكم الرئيس عبد الناصر، سمك مجمد يُصرف على البطاقة، كانت جدتي «روحية» تعمل منه صينية بالبصل والبهار، تأكل صوابعك وراه.

ما ميّز سنوات السادات، خلاف دولة «العلم والإيمان»، غذائيًا كانت الفراخ البيضاء، كان جدي اللطيف «عبد اللطيف» يمزح في ليالي الأنس: السادات جاب لنا «الرخا»، بدون همزة على السطر، في غمز واضح إلى ضعف الفحولة بسبب ما قيل عن خطورة هذه الفراخ على القوة الجنسية، فكان بذكائه الفطري يربط «الرخاء» الذي يبشر به السادات بـ«الرخا» إشارة إلى العجز الجنسي المحتمل، والذي يخشاه !!

منوف التي تحولت تمامًا إلى الساداتية، ربما لأن السادات منوفي من ظهر منوفي، وميت أبو الكوم في ظهرانينا، وزيارته إلى المحافظة لا تنقطع، وأحاديثه مع «همت مصطفى» (همت يا بنتي)، كما كان يناديها، تتمحور حول البيت والغيط والوز والبط، ووالدته «ست البرين»، التي عايره بأصولها السودانية الراحل ” محمد حسنين هيكل ” في فصل هيكلي ساقط ولا أخلاقي، رحل هيكل قبل أن يعتذر عنه .

كل هذا ساهم في سيادة المزاج الساداتي في المنوفية، فصارت ساداتية قُح، إلا من كان إخوانيًا، وما كان يظهر إخوانيته إلا وتبرأ منه المنايفة.

محافظة المنوفية، ومثلها مدينة منوف، مزنوقة بين المحافظات تكاد تزهق أنفاسها، أقرب لمحافظة داخلية ليس لها ظهير صحراوي تتنفس فيه، ولا تطل على ساحل يمنحها براحًا إنسانيًا، والحيازة الزراعية ضاقت بمن عليها، الحيازة كانت تُقاس بالقصبة، ومن يملك قيراطين يصبح من الملاك، لذا اتجهت الأسر إلى التعليم سبيلًا للتوظيف الحكومي.

والتعليم في المنوفية عظيم الأثر، وقديم قدم المحافظة التي كانت عاصمتها منوف قبل أن يتحول عنها محمد علي إلى شبين الكوم، فصارت منوف نسيًا منسيًا، وشاعت بين المنايفة مقولة فرعونية باعتبار منوف هي «منف» الشهيرة في صعيد مصر، مقولة يجافيها التاريخ المدون على قطع أثرية نذيرة عُثر عليها في «الكوم الأحمر» في الطريق الجديد من منوف لشبين، وأيضًا ظهر بعض منها في «زاوية رازين»، ولربما المسح الأثري المأمول قبالة مسجد «الشيخ زوين» يدحض هذه الفكرة التي تسلطت على ناس المنوفية، يكفيهم «مانوفيس» تعزية عن تاريخ تليد، فاز الصعيد بمنف وفازت المنوفية بعاصمة التعليم، والأكثر فخرًا عاصمة الجندية المصرية.

عُرف عن المنايفة أن المتفوقين تعليميًا جائزتهم في سلك الجندية، وكأنهم مخلوقون للجندية، مفطورون على خدمة الوطن، والجود بالنفس طلبًا للشهادة، ومنهم كثير من القواد العظام المسجلين في سجل جمعية «المساعي المشكورة»، التي أسسها عبد الغفار باشا في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت ترعى مدارس «المساعي المشكورة»، التي تخرج فيها جل جهابذة المنايفة، لا أعرف لماذا تخرجت «أنا» في مدرسة «المعارف»، التي أسسها المعلم الأول في المنوفية طيب الذكر «نصر عبدالغفور».

تبعد منوف عن القاهرة ساعتين بالقطار، وقطار منوف علامة في السكك الحديدية، وكلما تحدثوا عن إصلاح كان في مقدمة الحكي قطار منوف العتيق، وينطلق من منوف إلى القاهرة كل ساعة تقريبًا، قطار وحده قصة لا تسعها هذه السطور، ربما هذا يشرح كثافة الوجود المنوفي في دواوين القاهرة ، التعليم العالي للمنايفة مكّنهم من حيازة نصيب لا بأس به من وظائف الدولة المصرية العليا.

ولربما صدق فيهم القول القائل: «المنوفي لا يلوفي حتى لو أكلوه لحم الكتوفي»، وفي التفسير المنوفي أن المنوفي رجل دولة مخلص لوظيفته لا يرتضي عنها بديلًا ولو أكلوه لحم الكتوفي ليوالس أو يماين، أو يعطي مما تحت يديه من سلطات أميرية مقابل عطية أو هبة، مؤتمن تمامًا.. وهذا ليس من قبيل التبرير ولكنه تقرير حال .

المنوفي عادة لا ينفق وقته في اللهو، مثله مثل الدمياطي، بل الأخير أوفر حظًا، لديه بحر ونهر، وفرع دمياط يغنيه مذلة السؤال، أما منوف فنصيبها قليل، قليلة البخت، حتى الرياح المنوفي أبى إلا أن يذهب إلى منوف، ما إن يصل إلى المنوفية حتى ينشطر إلى بحر شبين يذهب لطنطا، وترعة الباجورية تذهب نواحي ميت أبو الكوم، وما تبقى للمنوفية هو البحر الأعمى، تمعن في التسمية، بحر وما هو ببحر، ليس له منبع ولا مصب، وغالبًا مياهه من صرف زراعي غير محلى من التحلية، تمرح فيه زريعة أسماك مجهولة الهوية.

كانت فسحتنا البحر الأعمى، نصيد سمكًا صغيرًا، لم أكن من هواة «العوم»، وإلى الآن لم أسبح حتى في حمامات السباحة، والسبب جدتي «روحية» كانت تخشى عليَّ من «جنية البحر»، أم الشعور السوداء، تغطي وجهها في عز الظهر، حذار، هتسحبك لتحت الميه، ربت في نفسي الخوف تمامًا من الأعماق التي تسكنها الجنية، ورغم أن قاع البحر الأعمى ظاهر للأعمى، إلا أنني ما تجاسرت يومًا وسبحت في المياه الضحلة، وكأن الجنية تتقصدني شخصيًا، أو تنتظرني أنا تحديدًا من قديم الزمان، وصارت الجنية تطاردني في أحلامي، وقطعت بيني وبين الأنهار والبحار والمحيطات. ( يتبع الأسبوع القادم  )

 اقرأ أيضا

الإعلامي حمدي رزق يكتب: مبادئ الداروينية في الاستجوابات البرلمانية؟!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى