توبكُتّاب وآراء

الخبير السياسى والاقتصادى شريف جبر يكتب لـ «30 يوم»: السياحة كأمن قومي.. ثورة تعظيم “العائد” لا “الأعداد”

​إلى القيادة السياسية وصُنّاع القرار السياسي والاقتصادي في مصر.. إن اللحظة الراهنة التي يمر بها الاقتصاد العالمي تتطلب منا الكف عن التعامل مع السياحة بوصفها “نشاطاً موسمياً”، والبدء فوراً في معاملتها كأهم “صناعة تصديرية للخدمات” تمتلكها الدولة المصرية.

​صحيح أننا نجحنا في كسر حاجز الـ15 مليون سائح، لكن المعركة الحقيقية ليست في “كمّ” القادمين، بل في “جودة” العائد، وعمق الأثر، وقدرتنا على حبس الدولار داخل الشرايين الرسمية للاقتصاد المصري. نحن بحاجة إلى استراتيجية “العبور السياحي”؛ وهي نقلة ذكية تحولنا من منطق “كثافة الأعداد” إلى “سيادة العوائد”.

​أولاً: هندسة التدفقات النقدية (مشروع Egypt Pass)

​إن الفجوة بين إنفاق السائح الفعلي وما يدخل المنظومة المصرفية تمثل ثغرة في الأمن القومي الاقتصادي. والحل لا يكمن في القيود، بل في “نظام دفع سيادي ذكي”.

​نقترح إطلاق (البطاقة السياحية الذكية – Egypt Pass)؛ وهي بطاقة مسبقة الدفع وتطبيق إلكتروني، يُصدران للسائح فور وصوله للمطار. يتم شحنها بالعملة الصعبة مع منح السائح مزايا حصرية: (خصم 10% على تذاكر الآثار، والمواصلات الحديثة كالمونوريل والقطار السريع).

​عنصر الثقة الحاسم:

يجب أن يرتكز هذا النظام على “السيولة الحضارية”؛ حيث يحق للسائح استرداد المتبقي من رصيده فور مغادرته بنفس العملة وبسعر الصرف العادل. كما يجب توفير “بنكنوت” مصري جديد تماماً ونظيف في المناطق السياحية، لتعزيز صورة الدولة. هذا التحول الرقمي كفيل بتجفيف منابع السوق الموازي سياحياً، ورفع العائد السنوي — بنفس الأعداد الحالية — إلى ما يقارب 37 مليار دولار.

​ثانياً: إحياء “كنوز الروح” (مسار العائلة المقدسة)

​تمتلك مصر “حقاً حصرياً” لمنتج سياحي يمس عقيدة أكثر من 2.3 مليار إنسان مسيحى حول العالم. مسار العائلة المقدسة ليس مجرد مزار، بل هو حج لهم “قوة ناعمة معطلة”.دعا اليه البابا فرنسيس للحج في مسار العائلة المقدسة بمصر، واعتمدته الفاتيكان كبرنامج حج رسمي، بعد زيارته لمصر ودعوة الرئيس السيسي، حيث أُعلن المسار حجًا مسيحيًا في 2017

​المطلوب هو “مشروع دولة” متكامل يحول الدعم البابوي (من الفاتيكان) إلى حملة تسويقية عالمية. يجب خلق “ممرات سياحية آمنة” تربط النقاط الـ25 للمسار، مع طرح فرص “امتياز” (Franchise) للقطاع الخاص لتطوير الفنادق والخدمات اللوجستية في محافظات الصعيد والدلتا، مما يخلق تنمية شاملة تتجاوز حدود العاصمة والمدن الشاطئية.

​ثالثاً: سياحة “الإقامة الممتدة”.. استثمار في جغرافيا الهدوء

​يجب أن نستفيد من بنية المدن الجديدة (الجلالة، العلمين، الأقصر الجديدة) لجذب فئتين من أثرياء العالم:

​الاقتصاد الفضي (Silver Economy): استهداف المتقاعدين الأوروبيين لقضاء الشتاء في مصر عبر باقات إقامة شاملة الرعاية الطبية الفائقة.

​المبدعون الرقميون (Digital Nomads): إصدار “تأشيرة العمل من مصر” لمدة عام، تمنح الشباب المبدع عالمياً حق الإقامة مقابل تحويل شهري ثابت بالعملة الصعبة.

​رابعاً: خارطة الطريق التشريعية واللوجستية

​لتحقيق هذه الرؤية، نحتاج إلى تحركات متوازية:

​تشريعياً: تبسيط إجراءات استرداد ضريبة القيمة المضافة (VAT Refund) للسياح بالمطارات لتحفيز سياحة التسوق.

​تكنولوجياً: استخدام البيانات الضخمة (Big Data) الناتجة عن “Egypt Pass” لفهم نمط إنفاق السائح وتوجيه الحملات الترويجية بدقة جراحية.

​الخلاصة

​إن الوصول إلى 30 أو 40 مليار دولار من السياحة ليس طموحاً بعيد المنال، بل هو نتيجة حتمية لقرار سيادي يحوّل السائح من “زائر عابر” إلى “شريك في الدورة الاقتصادية”.

​مصر، بمكانتها وتاريخها وبنيتها التحتية الجديدة، لا يليق بها أن تنتظر الفرص، بل يجب أن تصنعها. اللحظة الراهنة ليست للتجريب.. بل للتنفيذ.

اقرأ أيضا

شريف جبر يكتب لـ «30 يوم» : مخاطر عمليات تحويل المسار الوجه المظلم لـ «تجارة السمنة»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى