فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: دع الموبايل وابدأ الحياة
أنتمي لجيل الثمانينيات والتسعينيات، الجيل الذي تربي ونشأ، كأجيال قبلنا، على كل ما هو جميل ودافئ، تجمعات عائلية حافلة، ألعاب جماعية مختلفة،السلم والتعبان والدومينوز والشطرنج، وماتشات كورة بين الشباب، وأحاديث لا تنتهي من أهالينا، أحاديث كانت تسري كالسحر في النفوس، أذكر أمي لم تكن تكف عن رواياتها مع عائلتها لتحضير ما قبل المناسبات الدينية من صناعة برطمانات المخلل متعدد الأصناف قبل رمضان وشيكارة الدقيق والسمن لصنع الكحك والبيتيفور والصاجات تفوح برائحة شهية في الطريق للفرن للتسوية.
كما كان والدي رحمه الله يجمعنا أيضا ليروي أحاديثه الممتعة عن ذكريات ما خاضه من حروب بحكم عمله وكيف كانت تدمع أعيننا عند ذكره لما مر به في فترة ما بعد هزيمة ٦٧، كما شعرنا بالزهو وهو يروي لنا تفاصيل انتصارنا العظيم في معركة استرداد الأرض والكرامة في حرب ٧٣، ولا تنتهي الذكريات ما بين نزهة جميلة للقناطر أو الأهرامات أو حديقة الحيوان أو في مرحلة لاحقة معرض الكتاب، وكنا نعود من هذه الزيارة محملين بالكتب والروايات المختلفة لعمالقة الكتاب، لا ينقضي الليل إلا وقد قرأنا جزءا كبيرا منها ونسهر حتى طلوع النهار في قراءة مستمرة حتي يغلبنا النعاس، إلى أن جاءت فترة التسعينيات وأذكر عندما ذهبنا لشراء جهاز جديد، الأتاري، وكنا منبهرين أيضا وسعداء بهذه اللعبة الجديدة المختلفة ولكن سرعان ما انفضضنا من حولها لانشغالنا بدراستنا، وتستمر بعد ذلك فترة التسعينيات بنفس التفاصيل تقريبا والتواصل الاجتماعي الأسري والعائلي.
وفي بداية التسعينيات طلت علينا بوجهها القبيح المخدرات وانتشر الادمان بشكل كبير بين الشباب ليقع في براثنه العديد من شباب الجيل للأسف، لتبدأ الدولة بشكل مكثف بمحاربته على جميع الأصعدة سواءا من خلال حملات التوعية أو من خلال الاعلان عن مؤسسات علاجية مجانية كم اتجهت السينمات والأعمال التليفزيونية لانتاج عدد كبير من الأعمال متناولة هذا الأمر.
ومما لاشك فيه إن ادمان المخدرات هو كارثة تهدد المجتمع ككل وتنذر بانهيار أجيال كثيرة قادمة، ولكن لم تكد تبدأ الألفينات إلا وقد ابتلينا بوباء يري الكثير من علماء الاجتماع إنه لا يقل خطورة، عن المخدرات ألا وهو ادمان الانترنت، وقبل أن يتصور البعض إن الأمر بسيط وإنه لاداعي لتهويل الأمر، دعني عزيزي القارئ أطلعك على بعض الاحصاءات والتي تؤكد أن حوالي ٤٠٠ مليون شخص تقريبا حول العالم يعانون من ادمان الانترنت مما أدي الى ارتفاع نسب الاصابة بالاكتئاب بين المراهقين إلى أكثر من مرتين ونصف، كما تؤكد الدراسات أن الادمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي الى ارتفاع معدلات الاصابة بالقلق والخمول الجسدي والعقلي وزيادة الاصابة بالتوحد والعزلة الاجتماعية.
وأظن أننا لسنا في حاجة إلى احصائيات او دراسات، فيكفي أن تنظر حولك عزيزي القارئ لتجد طفلا أو أكثر في كل عائلة يعاني من هذا الادمان ومما قد يترتب عليه من آثار، تأخر في الكلام، عدم القدرة على التعبير والمواجهة في أبسط المواقف أو خوف من الاندماج الاجتماعي حتى مع أقرب الافراد في الأسرة.
يكفي أيضا أن نعرف أن أنيكا ويلز، وزيرة الاتصالات باستراليا قد أعلنت مؤخرا بشكل رسمي أنه سيتم حظر امتلاك أيا من هم دون الستة عشر عاما أية حسابات على أي من مواقع التواصل الاجتماعي والتي وصفتها بأنها كوكايين سلوكي.
الأمر إذا جد خطير ولا ينبغي أن يؤجل التعامل معه بل وجب التدخل الفوري من الدولة بجميع مؤسساتها التعليمية والاعلامية واثارة القضية ولفت النظر إليه قبل أن يسقط جيل أو أجيال كثيرة قادمة في هذه الهاوية، وهى بلاشك هوة سحيقة تبتلع أطفالنا تدريجيا ونحن في غفلة. أفيقوا قبل أن نستيقظ على كارثة لن يكون التعامل معها سهلا بحال من الأحوال.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: اعملوا تصحوا
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: دور المرأة في المجتمع.. حديث لا ينتهي




