أنوار رمضانية ( 8) .. المستشرق الفرنسي دي كاستري يوجه نصيحة للمسلمين والفرنسيين (2)
كتب- صابر رمضان
كشف هنري دي كاستري، المولود عام 1850م، والمتوفي عام 1927م عن أنه لا يكتب في الإسلام عن هوىً، ولا يقصد تمجيد الإسلام تمجيدًا يخرج عن الحدِّ، وإنما يقصد إلى فهم صحيح للإسلام ورسوله، مع علمه بأنه عمل شاق، وموقف حرج؛ بسبب ما ترسَّخ في أذهان الغربيين من صورة نمطية مشوهة عن الإسلام وأهله.
فهو كاتب مسيحي فرنسي، عاش بين الجزائريين زمنًا طويلاً، فقد كان مقدمًا بالجيش الفرنسي بالجزائر. ومن هنا جاء اهتمامه بالإسلام.
دي كاستري ،كان منصفاً للحضارة الإسلامية،وله مؤلفات هامة حول العرب المسلمين يأتي في مقدمتها “مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب” و”الأشراف السعديون” و “رحلة هولندي إلى المغرب” و “الإسلام خواطر وسوانح” وغيرها.
أهداف كتاباته:
يقول أهداف من كتاباتي الآتي:
- فهم الإسلام والمسلمين فهمًا صحيحًا، باعتبارهم رعايا للدولة الفرنسية. يقول دي كاستري:
“لا يكفي لأمة مسيحية متمدنة أن تحترم دين المسلمين من رعاياها، بل يجب عليها أن تسعى إلى معرفة ذلك الدين كما ينبغي”.
- تبديد الأوهام التي علقت بأذهان الغربيين عن الإسلام ورسوله، وتصحيح الأخطاء. فإن بعض من كتبوا عن الإسلام من الغربيين ما كانوا يَقصدون الحقائق التاريخية، بل حفظ روح البغضاء في نفوس قومهم. يقول دي كاستري: “وأردتُ التنبيه إلى بعض أغلاط علقتْ بالأفكار عندنا، من حيث النبي العربي، ودينه الإسلامي. وهو عمل شاق، وموقف حرج؛ إذ من المعلوم ما قيل: إنه لا يرسخ في الاعتقاد، أكثرُ من خطأ الاعتقاد”. “وأشد الأوهام عندنا بالنظر إلى الديانة الإسلامية، ما اختصَّ بشخص النبي، ولذلك قصدتُ أن يكون بحثي أولاً في تحقيق شخصيته، وتقرير حقيقته الأدبية، علَّني أجد في هذا البحث دليلاً جديدًا على صدقه وأمانته”.
- دعوة فرنسا إلى مسالمة المسلمين، وملاحظة جانب العدل والحكمة في إدارة الأهالي.
يقول دي كاستري: “لا ينبغي لنا أن نُعلق الآمال، بالوصول إلى تحول رعايانا المسلمين في الجزائر إلى فرنسيين، بل يجب علينا أن نجتهد في أن نعيش معهم على ما يلزم من المسالمة والموادعة، وهو حل سهل بسيط، لست أدري لِمَ أهمله الباحثون، وقلَّ الإقبال عليه! كما أنني لم أقف على السبب الذي دعاهم إلى الحكم بأنه ليس لمسلم الجزائر، إلا أن يتحول، أو أن يفنى!”.
نهى دي كاستري الفرنسيين عن محاولة تنصير الجزائريين، وعن فرض الفرنسة عليهم، وعن إجبارهم على التجنس بالجنسية الفرنسية، وعن مضايقة الجزائريين لدفعهم للهجرة من بلادهم، أو محاولة إبادتهم.
كما نهى دي كاستري الفرنسيين عن استعمال المسكرات التي استعملها الأوربيون للتعجيل بالإجهاز على وجود بعض الأمم المغايرة لهم.
قال: “إن المسكرات التي استعملها الأوربيون للتعجيل بالإجهاز على وجود بعض الأمم المغايرة لهم، لا تؤثر عند أهالي الجزائر؛ لأنهم يمقتونها مقتًا شديدًا”.
وكذلك حذرهم من استخدام اليهود في الجزائر لطعن أهلها المسلمين.
وبيَّن أن من أكبر أسباب الثورة في الجنوب، رغبة رؤساء القبائل في استرجاع امتيازاتهم؛ لأنهم من بقايا أولئك القوم الذين سادوا قديمًا في البلاد، ومن جهة أخرى: ضنك الأهالي، وخطأ الموظفين في إجراء مقتضى بعض اللوائح والقوانين.
ويدعو دي كاستري فرنسا إلى عدم التدخل في سير الدعوة الإسلامية بين الوثنيين في المناطق التي تحتلها، معلّلا بأن دخول الوثنيين في الإسلام هو ارتقاء بهم، وأن للإسلام الفضل في تحويل عبدة الأصنام من وثنيين إلى موحدين، وترقية أخلاقهم وملكاتهم. وهو بذلك يحاول أن يقلل من غلواء الاستعمار الفرنسي، ويردعه عن أفعاله الهمجية في أفريقيا.
*نصف قرن والاستعمار يفشل في سياسة التنصير
قال دي كاستري في هذا الكتاب: “مضى على الاحتلال الفرنسي في الجزائر نصف قرن، ولم يؤثر ذلك في الإسلام”.
ويقول هنري دي كاستري، دخلت فرنسا الجزائر سنة (1246هـ/1830م). وإبان الاحتلال الفرنسي للجزائر كانت الخطة الاستعمارية لا تستهدف احتلال الجزائر فحسب، بل مسح كل مقومات الشخصية الجزائرية بالقضاء على اللغة العربية والعقيدة الإسلامية.
لقد عملت السياسة الاستعمارية على تحويل الجزائر إلى فضاء خارجي لفرنسا، وذلك عن طريق تحويل المساجد إلى كنائس، وفرض اللغة الفرنسية، والثقافة الفرنسية، والتعليم الفرنسي.
وفرض دستور سنة (1339هـ/1920م) الجنسية الفرنسية على الجزائريين.
وكانت فرنسا بعد صدور هذا الدستور تفرض على الجزائريين واجبات المواطن الفرنسي، كالخدمة العسكرية، لكنها تحرمهم حقوق المواطنة، وتمارس عليهم تفرقة عنصرية ودينية!
ولكن تمسك الجزائريون بعروبتهم وإسلامهم، وقاوموا -132 عاما (اثنين وثلاثين عامًا ومئة)- جنودَ الاحتلال، قدموا فيها ما لا يقل عن مليون شهيد؛ حتى أرغموا المستعمر على التسليم، وأعلن استقلال الجزائر في سنة (1382هـ/1962م).
*سر قوة الإسلام وبقائه :
يقول دي كاستري أن سر قوة الإسلام وبقائه رغم محاربته مايلي:
- مقاومة المسلمين للتنصير بجميع الوسائل الممكنة، واعتزازهم بعقيدة الإسلام. يقول دي كاستري:
“فاستعصاء المسلمين على التنصُّر بواسطة المنصِّرين، واستحالة إخضاعهم بالقوة، هما السببان اللذان يعترضان تنصُّرهم”. “والسبب في استعصاء المسلم على التدين بالنصرانية استعصاءً قويًا، احتقارُه النصارى، وإعجابُه -كلَّ الإعجاب- بكونه من الموحدين”.
- جهود الجمعيات الدينية والجماعات الإسلامية، التي تعمل دائمًا على تجديد الدين الإسلامي بين جميع الموحدين، ويحرك رجالُها -على الدوام- عاطفة الإيمان في قلوب المؤمنين، وتصل بين أرجاء العالم الإسلامي الواسع.
يقول دي كاستري: (ومن هنا نعلم: أن كثرة الطوائف الدينية في الإسلام، وكثرة المريدين فيها في هذه الأيام، ضرورة اقتضاها التكاتف على حفظ الدين، والتآزر على صيانة الجامعة بين المسلمين. فلو لم تقم تلك الجمعيات بحفظ الروابط بين جميع المسلمين، وجمعهم في صعيد واحد، لأصبح المسلمون كقطيعٍ عظيم من الماشية بدون راع).
- مقاومة مظاهر المدنية الغربية الضارة، والغزو الثقافي الاستعماري. وكثيرًا ما أخذ العربيُّ الذي يسكن المدائن عن التمدن الأوروبي رذائله ومعايبه، وخالف أوامر القرآن، وشرب المسكرات، وانطلق في حياة اللهو! فحرص دعاة الإسلام على تحذير المسلمين من هذا الخطر الداهم.
ومع ذلك يقدم دي كاستري نصيحته وتحذيره للمسلمين: “فالفوضى علة الإسلام الباطنية” كما يراها. والله يقول: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال:46].
ويقول دي كاستري: “ولولا الانقسام الداخلي، والاضطرابات التي حدثت بين المسلمين في غابر الأزمان، لما نجت النصرانية.
وهذه الأسباب نفسها تضعف العزيمة عن القيام بتوحيد كلمة الإسلام، ولولاها لما حفظت فرنسا أملاكها مع ما ارتكبته من الخطأ، وما تأتيه من الأغلاط في أفريقيا الشمالية.
موضوعات متعلقة
أنوار رمضانية ( 7) .. المستشرق الفرنسي دي كاستري يكشف سر انتشار الإسلام ومزاياه (1)




