الإعلامي حمدي رزق يكتب: مبادئ الداروينية في الاستجوابات البرلمانية؟!
احتراز وجوبي، لا نحرض على استجواب الحكومة الجديدة، ولا سحب الثقة منها، فحسب نطلب استخدامًا رشيدًا للأدوات البرلمانية لتفعيل الرقابة والمحاسبة على أعمال الحكومة، إذا لم تخشَ الحكومة عاقبة البرلمان، فلتفعل ما تشاءُ وشاء لها الهوى!
مبادئ الداروينية (نسبةً إلى العالم البريطاني تشارلز داروين) تشير إلى أن الأعضاء التي يستخدمها الكائن الحي بكثرة تقوى وتتطور، بينما تضمر الأعضاء التي لا تُستخدم.
قاعدة بيولوجية طبية (تعرف بضمور العضو غير المستخدم) تعني أن الجسم يوجه الموارد (الدم، التغذية، العصب) للعضو الذي يعمل بكثرة فيقوى، بينما يهمل ويضمر العضو الذي لا يعمل، مما يؤدي إلى ضعف وضمور العضلات والأنسجة..
والدرس المستفاد من نظرية العم داروين، أخشى ضمور الأدوات البرلمانية من عدم الاستخدام!
معلوم، ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه، أو جُلُّه أو قُلُّه، حكمة عربية أصيلة تعني أنه إذا تعذر تحقيق الأمر كاملًا، فلا ينبغي ترك معظمه أو المتاح منه، بل يجب فعل المقدور عليه، أقل القليل.
الاستجواب البرلماني أداة رقابية دستورية رفيعة المستوى، يستخدمها أعضاء البرلمان لمحاسبة الحكومة أو أحد أعضائها (الوزراء) بشأن سياساتهم، قراراتهم، أو تصرفاتهم.. لماذا إهمالها، ما هكذا تُورد الإبل!
يتميز الاستجواب بطبيعته “الاتهامية” والتحقيقية، ويُلزم الوزير المعني بالرد شفويًا أو كتابيًا، وقد يترتب عليه سحب الثقة من الحكومة.. تخيل قوة الاستجواب التي أُهملت طوال دورات سبقت!
المادة 216 من لائحة مجلس النواب أقرت أن لكل عضو أن يوجه استجوابًا إلى رئيس مجلس الوزراء، أو أحد نوابه، أو أحد الوزراء، أو نوابهم، لمحاسبتهم في أي شأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم.. هل قرأ النواب الجدد اللائحة ووقفوا على حروفها؟!
ونصت المادة التالية 217 بأن يقدم طلب توجيه الاستجواب كتابةً إلى رئيس المجلس، مبينًا به بصفة عامة موضوع الاستجواب، ومرفقًا به مذكرة شارحة تتضمن بيانًا بالأمور المستجوب عنها، والوقائع والنقاط الرئيسية التي يتناولها الاستجواب، والأسباب التي يستند إليها مقدم الاستجواب، ووجه المخالفة الذي ينسبه إلى من وجه إليه الاستجواب، وما يراه المستجوب من أسانيد تؤيد ما ذهب إليه.. الاستجواب يتطلب جهدًا في التحقيق والتحري.. من يقدر عليه؟
ولا يجوز أن يتضمن الاستجواب أمورًا مخالفة للدستور أو القانون، أو عبارات غير لائقة، أو أن يكون متعلقًا بأمور لا تدخل في اختصاص الحكومة، أو أن تكون في تقديمه مصلحة خاصة أو شخصية للمستجوب. كما لا يجوز تقديم استجواب في موضوع سبق للمجلس أن فصل فيه في ذات دور الانعقاد ما لم تطرأ وقائع جديدة تبرر ذلك. وتسري على الاستجواب أحكام المادة 203 من هذه اللائحة.
ونصت المادة 218، مع مراعاة أحكام المادة 217 من هذه اللائحة، يُبلِغ رئيسُ المجلس الاستجوابَ إلى من وُجه إليه من الحكومة، وإلى الوزير المختص بشؤون مجلس النواب، ويُخطر الرئيسُ العضوَ مقدمَ الاستجواب كتابةً بذلك.
للذكرى، والذكرى تنفع نواب البرلمان، يوم الخميس 31 أكتوبر 2019، وعلى هامش افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي مصنع الغازات الطبية والصناعية رقم 3 التابع لشركة النصر للكيماويات الوسيطة، لفت الرئيس إلى ضرورة تفعيل الأدوات البرلمانية لمحاسبة الحكومة، وقال وقتئذ: لا يجب أن يؤخذ أي استجواب برلماني لمسؤول بحساسية، موجهًا حديثه لمجلس النواب لعرض أي نتائج أو معلومات على الشعب والرأي العام.
وتحمس نواب مقدرون بعد حديث الرئيس لتقديم استجوابات، وتبارى المتحمسون وقتئذ بتقديم عناوين استجوابات إعلامية، للأسف كانت مثل كلام الليل مدهونًا بزبدة.. يطلع عليه النهار يسيح، لم نرَ زبدًا ولا جبنًا، استجوابات الليل وآخره لم ترَ النور حتى ساعته.
وإذا سألت عن كنه الاستجوابات، ما لونها، لا يجيبك نائب، وكأن الاستجوابات ممنوعة أو محظورة، أو يحول دون تقديمها حائل، أخشى البعض يعتبرها حرامًا، وأكثرهم لا يقرب الحرام البرلماني، رغم رخصة المادة 216 وما بعدها، ثلاث مواد من لائحة مجلس النواب!!
الاستجواب أداة برلمانية رفيعة المستوى عالية القيمة، تؤشر على حيوية مجلس النواب وتفاعله سياسيًا، أعمال مجلس نواب بدون استجوابات، على أهميتها، تظل كالثريد دون لحم، مخليّة من الدسم البرلماني، لا تسمن ولا تغني من جوع معلوماتي، الشارع ينقصه المعلومات اليقينية التي تجليها الاستجوابات البرلمانية.
بالسوابق، البعض من النواب يؤثر السلامة ويمضي دورته النيابية صامتًا حتى عن طلب إحاطة، الصمت منجٍ، وعند البعض الصمت من ذهب، والحكمة تقول: السكوت علامة الرضا، يسمونه النائب أبوالهول نسبةً إلى صامت الدهر أبوالهول في عرينه بأهرامات الجيزة.
نفر من النواب يعتنقون الحكمة التي تقول: الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل، فيكتفون بأقل القليل من الأدوات البرلمانية، يكتفون بالسؤال، أو طلب إحاطة، أو بيان عاجل، لكنهم لا يقربون البتة الاستجواب، وفي هذا بحار التفكير ويعز التفسير، ولكنه واقع نعيشه، دورات برلمانية متعاقبة لم نرَ فيها استجوابًا ولو على سبيل ذر الرماد في العيون المفتوحة على أعمال البرلمان الجديد في مواجهة الحكومة المتجددة.
ناهيك عن السؤال وطلب الإحاطة والبيان العاجل، وهي أدوات برلمانية معتبرة ولها حجيتها البرلمانية، لائحة المجلس تتضمن أدوات علاها الصدأ من عدم الاستخدام: الاستجواب، وسحب الثقة، تخيل بين أيادي أعضاء البرلمان أداة تمكنهم من سحب الثقة بطلب كتابةً إلى رئيس المجلس موقعًا بعُشر الأعضاء على الأقل.
فضلًا عن طلبات المناقشة العامة بتوقيع 20 عضوًا لاستيضاح سياسة الحكومة في شأن ما، وتشكيل لجان تقصي حقائق لتتبع نشاط ما أو قضية عامة، فضلًا عن تشكيل لجان الاستطلاع والمواجهة في قضية مهمة.. ليتك كنت حيًّا، هلا سمعتم، إخوتي، باستجواب برلماني في عقد مضى..؟!
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: كانوا يعرفون الكثير عن الأطباق الطائرة!




