توبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: الصيام جوع الجسد وامتلاء الروح

في الصيام، لا يُختبر الجسد فقط، بل يُستدعى القلب والعقل والروح كلها ليصحو.

تبدأ الرحلة بخلو المعدة، لكنها تنتهي بامتلاء البصيرة؛ حيث يهدأ الصخب الخارجي ويعلو صوت الضمير، ويكتشف الإنسان أن الامتناع الظاهر ليس إلا بوابة، وأن الحرية الحقيقية تبدأ حين يمتنع عن الاستسلام لشهوته.

الصيام ليس مجرد جدول زمني أو شعيرة دينية، بل تجربة وجودية:  تدريب للإرادة، وتهذيب للرغبة، ومقاومة صامتة لعالم يسعى لإشباع كل حاجة فورية.

في هذا الامتناع، يولد حضور داخلي، يوقظ الوعي، ويعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والروح، بين الرغبة والقيمة، بين ما يمر مرور الوقت وما يترك أثره الدائم في النفس.

وهكذا، يصبح الصيام أكثر من مجرد صوم المعدة؛ إنه صوم القلب، صوم الجوارح، صوم النفس عن كل ما يشغلها عن المعنى.

إنه رحلة من جوع الجسد إلى امتلاء الروح، ومن الامتناع الظاهر إلى يقظة باطنية… رحلة يدعونا فيها كل يوم لنكون أحرارًا حقًا.

في جوهر الصيام، لا يُطلب من الإنسان أن يجوع بقدر ما يُطلب منه أن يستيقظ.

فليس الامتناع عن الطعام غايته العليا، بل الامتناع عن الغفلة؛ عن الانسياق الأعمى وراء الرغبة، عن تلك العبودية الخفية التي تجعل المألوف ضرورة، والشهوة حقًّا مكتسبًا.

لقد شُرع الصيام لا ليُرهق الجسد، بل ليُعيد ترتيب الداخل. فالجوع في ظاهره نقص، لكنه في حقيقته كشف؛ تتراجع الضوضاء الحسية قليلًا، فيرتفع صوت البصيرة، ويهدأ اندفاع الغريزة، فيستيقظ الضمير.

ولهذا لم تُختزل حكمة الصيام في ترك الطعام، بل في بلوغ التقوى؛ يقظة الوعي الأخلاقي، واستحضار نظر الله في السر قبل العلن.

فالإنسان قد يصوم عن الأكل، لكنه لا يزال أسير غضبه أو لسانه أو نظره، وهنا يغيب المعنى ويبقى الشكل.

وقد تنبّه أبو حامد الغزالي إلى هذه الدرجات الدقيقة حين فرّق بين صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن المعاصي، وصوم خواص الخواص عمّا يشغل القلب عن الله؛ فكأن الصيام الحقيقي انتقال من صمت المعدة إلى صفاء الوعي، ومن جوع الجسد إلى حياة القلب.

ومن زاوية فلسفية روحانية، لا يبدو الصيام مجرد عبادة زمنية، بل تمرينًا وجوديًا على سيادة الإرادة.

فالإنسان الصائم لا يُمنع قسرًا من الطعام، بل يمتنع عنه وهو قادر عليه.  وهنا تتجلّى الحرية في أرقى صورها: حرية الانضباط لا حرية الانفلات.

تلتقي هذه الفكرة مع التصور الأخلاقي عند إيمانويل كانط الذي رأى أن قيمة الفعل الأخلاقي تظهر حين ينتصر الإنسان على ميوله لا حين يستسلم لها؛ غير أن الصيام يتجاوز هذا الإطار، إذ لا يجعل ضبط الميول غاية عقلية فحسب، بل طريقًا لتزكية الروح وتطهير القلب.

كما أن التأمل الوجودي عند سورين كيركجور يضيء معنى الصيام بوصفه قرارًا داخليًا عميقًا؛ فالصائم يختار الامتناع في الخفاء قبل العلن، ويؤسس علاقة مراقبة لا تقوم على الرقيب الخارجي، بل على يقظة الضمير.

وفي التراث الإسلامي، نظر ابن القيم الجوزي إلى الصيام كرياضة روحية تكسر سلطان الشهوة، وأشار إلى أن تقليل الانغماس في اللذات لا يُضعف الإنسان بل يرقّق قلبه ويقوّي بصيرته.

وكذلك لمح ابن سينا إلى أن ضبط الشهوات يعين على صفاء العقل، وأن تقليل الانغماس الحسي يزيد القدرة على التأمل.

وهكذا يتضح أن الصوم عن المعصية هو جوهر الصوم، أما الصوم عن الطعام فبوابته الجسدية.

وإذا انتقلنا من البعد الروحي إلى مشهدنا الحضاري المعاصر، ازداد معنى الصيام إشراقًا.

فنحن نعيش في عالم تُغذَّى فيه الرغبة أكثر مما تُهذَّب، وتُقاس فيه السعادة بكمّ الاستهلاك، ويُربّى الإنسان على الإشباع الفوري حتى صار الاستهلاك لغة الوجود الحديثة.  يأكل بلا جوع، ويشتري بلا حاجة، ويرغب بلا حدود.

وفي هذا السياق، لا يعود الصيام مجرد شعيرة دينية، بل يصبح احتجاجًا روحيًا صامتًا ضد ثقافة الإفراط.

فبدل أن يقول الإنسان المعاصر: “أنا أستهلك إذن أنا موجود”،  يأتي الصيام ليقول: “أنا أمتنع إذن أنا حر”.

إنه إعلان داخلي بأن الإنسان ليس كائنًا استهلاكيًا محضًا، بل كائن قادر على كبح اندفاعه، وإعادة تعريف حاجاته، وتحرير نفسه من استبداد الرغبة.

وهنا تتجلّى حكمته الكبرى؛ إذ لم تُعلَّق غاية الصيام على الجوع ولا على المشقة، بل على التقوى، كما جاء في النداء القرآني العميق:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

(سورة البقرة: 183)

وكأن الآية لا تعلّمنا كيف نصوم فحسب، بل لماذا نصوم:

لنرتقي من ضبط الجسد إلى يقظة الضمير، ومن الامتناع الظاهر إلى الحضور الباطن، ومن جوع عابر إلى تقوى دائمة.

فالصيام ليس عبادة انعزالية، بل تربية شاملة للنفس والسلوك والوعي؛ روحيًا يورث التقوى، فلسفيًا يدرّب الإرادة، حضاريًا يقاوم ثقافة الإفراط.

إنه ليس حرمانًا… بل تحرير. وليس إضعافًا للنفس… بل إعادة سيادتها على ذاتها.

وحين يتحقق ذلك، لا يكون الصوم مجرد موسم،بل يصبح حياةً أعمق تنبض بالحكمة، ويقظةً تمتدّ إلى ما بعد الغروب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى