توبمنوعات

أنوار رمضانية ( 5 ) .. المستشرق الألماني ألفريد هوبير رحلة طويلة وشاقة لاكتشاف الإسلام وعظمة القرآن

كتب – صابر رمضان

الدكتور ألفريد هوبير، خاض تجربة شخصية وفكرية فريدة، انتقل فيها من فضاء البحث الأكاديمي البارد إلى فضاء الإيمان والاقتراب الوجداني من القرآن.

قصة هوبير ليست مجرد سيرة عالم، بل هي رحلة إنسان بحث عن الحقيقة بين الأديان والقارات، ليجدها في نهاية المطاف في لغة الضاد ونصها المعجز.

رحلة البحث عن الإله

ولد ألفريد هوبير في فيينا بالنمسا، ونشأ في بيئة مسيحية كاثوليكية متدينة، حتى إن والديه كانا يعدّانه ليسير في سلك الرهبنة ويصبح قسيسا. الشاب ألفريد هوبير، لم يكن يؤمن بالمسلمات، وكان دائم البحث عن حقيقة الأشياء.

أثارت انتباهه منذ مقتبل عمره مسألة الإيمان واختلاف الأديان والصراع المحتدم بينها، وكان يردد دائما تساؤله الوجودي: “إذا كان الجميع يعبدون الله، فلماذا إذن كل هذا الاختلاف؟”. من هنا، بدأت رحلته الطويلة للبحث عن الله.

يقول هوبير مسترجعا تلك الأيام: “كنت دائما أتساءل عن الحياة والآخرة وما بعد الموت. دفعني هذا الفضول إلى البحث والسفر إلى بلاد كثيرة بحثا عن المعرفة والحقيقة الإنسانية.

ومن خلال القراءة، أحببت الشرق الأوسط، جذبتني الصحراء، وشدّني منظر الجمال فيها، وتمنيت يوما أن أزور المنطقة العربية وأعيش فيها”.

محطات البحث عن الحقيقة

ابتداءً من سن الثامنة عشرة، انطلق هوبير في رحلاته، بعد تخرجه في الجامعة، كانت وجهته الأولى روما، عاصمة المسيحية في العالم. يقول: لأني كنت شديد التدين، ذهبت إلى الفاتيكان.

وعندما رأيت التماثيل الضخمة، هالني منظرها وأصابتني نظرات التماثيل والبابوات بالرعب. قلت في نفسي: ليس هؤلاء من يعبرون عن الله في الأرض، وليسوا رجال قداسة كما تصورهم الأقانيم.

بعد إيطاليا، قادته رحلته إلى اليونان ثم تركيا، وهناك كانت أولى ملامساته الحقيقية مع الإسلام.

يقول : وجدت روحا إنسانية، ووجوها مبتسمة، وضيافة جيدة.. هنا قابلت الإسلام الحقيقي كما قرأت عنه..

ثم ذهبت إلى قونية، حيث قبر جلال الدين الرومي، وهناك وجدت الروحانيات والسكينة.

في أوائل السبعينيات، واصل هوبير رحلاته إلى الشرق. زار سوريا والأردن، ومنها وصل إلى القدس.

ورغم تأثره بالأماكن المقدسة في كنيسة القيامة، فإنه لم يسترح لجو الكهنوت الذي شعر به.

يصف تجربته قائلا: يوم الأحد، وجدت ما لا يقل عن 12 قداسا مختلفا.. لم أسترح لجو البابوات حيث يأمرك القسيس بنبرة قاسية أن تقبّل الصليب ثم يأمرك بالتبرع.. عند قبر المسيح، التصرفات نفسها غير مريحة.. رأيت كما لو كانت العبادات كلها تجارة وأمورا دنيوية لا أكثر.

دفعه شغفه بقراءة النصوص الدينية في لغاتها الأصلية إلى دراسة العبرية واليونانية واللاتينية والسنسكريتية.

قادته هذه الرحلة إلى الهند، حيث انغمس في الديانة البوذية ودخل دير “الأشرم” في مدينة ريشي كش المقدسة.

هناك، عاش تجربة كادت أن تودي بحياته، لكنها كانت ولادة جديدة.

الغرق في نهر الجانج المقدس

يروي هوبير: من طقوسهم أن تذهب إلى النهر لتغتسل كما كان يفعل بوذا.. نزلت نهر الجانج المقدس، وأخذني التيار بقوته وكدت أن أغرق. وبالفعل غرقت، ورأيت نفسي تقريبا في عالم آخر.

سيطرت عليّ حالة من الصفاء والهدوء الشديدين وأنا بين الموت والحياة، ولم أفق إلا وأنا عار تماما، حيث جردني التيار من كل ملابسي.. كانت هذه بالنسبة لي ولادة جديدة”.

لكن نقطة التحول الحاسمة جاءت في تاج محل، “لا أدري ماذا حدث لي؛ شعرت بالهدوء والجمال، شعرت بأنني في الجنة.

هنا بدأت نفسي تطمئن إلى الإسلام، وتيقنت أنه لا الكاثوليكية ولا الهندوسية هي الديانة التي تختارها نفسي.. بدأت أركن إلى أن الإسلام هو الدين الذي اختارته روحي.

إسلامه

يقول : أهتم بدراسة اللغة العربية وحضارة الإسلام في العصور القديمة، وبعد تعمقي في دراسة التاريخ الإسلامي فكرت في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية، وهكذا بدأت القراءة في كتاب الله لاكتشف كم الفضائل التي يحث عليها القرآن، وكيف أنه كتاب نور ورحمة، ووجدتني أتأثر بكل القيم التي وردت فيه، وخلال فترة وجيزة ختمت قراءة القرآن عدة مرات بدأت بعدها بالتواصل مع المهاجرين المسلمين، ووجدت راحة نفسية كبيرة وأنا أقرأ معهم القرآن بعد الفراغ من الصلاة كل يوم جمعة، ولم يمر وقت طويل حتى قمت بنطق الشهادتين، والحمد لله على نعمة الإسلام التي لا تساويها أي نعمة .

عندما سئل هوبير عن صورته الذهنية عن الإسلام قبل اعتناقه، يعترف بصراحة بأنه لم يبدأ رحلته بروح محايدة تماما. يقول: “أكذب إن قلت لك إنني كنت أتمتع بروح محايدة.. كنت أنتمي إلى خلفية أوروبية كاثوليكية، محملة بالصور النمطية عن الإسلام.

في البداية، أردت أن أقرأ القرآن لأثبت لنفسي أنه نص صعب ومملوء بالتناقضات كما صوره المستشرقون من قبلي،لكنني فوجئت بأنني أجد فيه اتساقا عجيبا، ووحدة داخلية، وقوة بلاغية لا مثيل لها.

تلك اللحظة كانت بداية تحطيم الصور النمطية التي حملتها معي.

التفكير المستقل ..هو الحل

ويضيف أن الإنسان في الغرب غالبا ما يولد ولديه بعض الكراهية للإسلام، وهو ما تعززه وسائل الإعلام التي تقرن الإسلام بالإرهاب، والدعاية الصهيونية التي شوهت المفاهيم السليمة عن الدين، لن يفلت من هذا الشرك سوى من حاول أن يفكر بشكل مستقل.

رحلته مع القرآن

بعد دراسته للعربية، وجد هوبير في القرآن نصا مختلفا جذريا عن الترجمات التي قرأها.

وهو يصر على أنه “لا يوجد ما يطلق عليه ترجمة للقرآن الكريم”، فاللغة العربية لغة مقدسة، والقرآن نص إلهي لا يقرأ إلا من خلالها، إنما كل ما يكتب هو فقط عن معاني القرآن.

يقول: “لما قرأت القرآن الكريم أول مرة، أحببته، لأني كنت أحب الشعر وأكتبه، ووجدته لغة جمالية بالدرجة الأولى”.

هذه العلاقة العميقة بالنص قادته في النهاية، بعد أن أصبح مدرسا في جامعة الأزهر، إلى تكليفه من قبل وزارة الأوقاف المصرية بترجمة معاني القرآن، وهو المشروع الذي استغرق منه 13 عاما.

النطق بالشهالدتين في تركيا والجامع الأزهر

أعلن هوبير إسلامه أول مرة في إسطنبول عام 1980، في لحظة يصفها بالفارقة؛ كنت أناقش أحد الأصدقاء، وبعد أن انتهينا فوجئت به يقول لي: ألفريد، أنت مسلم، كل كلامك يؤكد إسلامك.. بعد هذه الجملة، زالت دهشتي، وسكت. فقال لي: هيا بنا إلى المسجد. وبالفعل، قرأت الشهادتين.

ثم أعلن إسلامه مرة ثانية في الجامع الأزهر عام 1981، وسط فرحة المصلين، عندما جاء إلى مصر لتدريس اللغة الألمانية،كان رد الفعل على إسلامه متباينا.

رد فعل والدته

يعترف ألفريد بأن الموقف الأكثر تشددا تجاه إسلامه جاء من والدته الكاثوليكية المتشددة. يقول: “غضبت مني، وقلت لها: لك دينك ولي دين، وإن اعتناقي للإسلام هو نتاج مسيرة طويلة من البحث عن الحقيقة.

أفضل من ترجم القرآن للألمانية الشاعر روكرت

في تقييمه للاستشراق الألماني، يرى هوبير أن أي ترجمة للقرآن، إن لم تأت من عقل مسلم مؤمن، فلن تكون منضبطة مهما بلغت درجة حيادها العلمي.

ويعتبر أن أفضل من ترجم معاني القرآن إلى الألمانية هو الشاعر فريدريش روكرت الذي يعتقد أنه “كان من داخله مسلما حقيقيا”.

عندما يطلب منه أن يختصر رحلته الطويلة قبل الإسلام وبعده، يجيب من دون تردد في جملة واحدة تلخص كل شيء: “أستطيع أن أوجز هذه الرحلة الطويلة في جملة واحدة: “أنني انتقلت من الظلمات إلى النور”.

من أقواله

*القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يقدم قواعد كاملة وشاملة للحكم الرشيد وأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يسمح بالتعددية الدينية والعقائدية، وقدم لغير المسلمين حصانة كاملة لأداء شعائرهم بحرية.

* الإسلام ينتشر بقوة في ألمانيا ومن المتوقع أن تتحول ألمانيا إلى قوة مدافعة عن الإسلام في أوروبا خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى