المستشرق محمد أسد (ليوبولد فايس سابقاً) ولد في الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1900، وتوفي في إسبانيا عام 1992م.
كاتب وصحفي ومفكر ولغوي وناقد اجتماعي ومصلح ومترجم ودبلوماسي ورحالة مسلم (يهودي سابقاً)، حيث كان يهودياً ثم اسلم بعد أن بلغ العشرين من عمره.
محمد أسد رحمه الله ليوبولد فايس سابقا وهو نمساوي الجنسية، يهودي النشأة.. لم يكن يهوديا متدينا ولا ملحدا.
كان كأي إنسان غربي متشبع بفلسفة الغرب المادية، وقضية الإله لا تشكل كبير اهتمام له. كما يقول هو: «إن المدنية الغربية لا تجحد الله أبدا .. ولكنها لا ترى مجالا ولا فائدة لله في نظامها الفكري الحالي.
وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجه ولا تحت ذاك، فإن العقل الأوروبي يميل بداءة إلى إسقاط الله من دائرة الاعتبارات العملية».. إذن يمكن الحديث عن إلحاد عملي، وليس إيديولوجي.
ويعد” أسد” نموذجا فريدا يقرّب الثقافات والحضارات، ويعزز إمكانية الحوار فيما بينها على أساس القواسم المشتركة والاحترام المتبادل، لا سيما وأنه ابن أسرة يهودية ومجتمع مسيحي غربي، قبل أن يسلم ليدافع عن دينه محبا ومحترما لأصله وماضيه.
درس الفلسفة في جامعة فيينا؛ و عمل مراسلاً صحفياً وبعد منحه الجنسية الباكستانية تولى عدة مناصب منها منصب مبعوث باكستان إلى الأمم المتحدة في نيويورك.
وطاف العالم، ثم استقر في إسبانيا وتوفي فيها ودفن في غرناطة، ويعتبر محمد أسد أحد أكثر مسلمي أوروبا في القرن العشرين تأثيراً.
إسلامه
ومن سبقت له من الله سابقة خير يهيئ الله له أسباب الهداية حيث تسوق الأقدار محمد أسد إلى فلسطين بدعوة من خاله الطبيب النفسي وأحد تلامذة فرويد.
شاب في بداية العشرينيات من العمر، يبحث عن أجوبة للأسئلة الوجودية التي عجزت فلسفات الغرب أن تجيبه عنها، يبحث عن ملاذ روحي عجزت اليهودية والمسيحية أن توفره له.
في الطريق إلى فلسطين يدخل في حوار مع قس مسيحي هو الأب ب فيليكس فيسأله محمد أسد أسئلة حول علاقة المادة والروح وأيهما أهم لتحقيق هدف الوجود.. يجيبه القس من وجهة نظر مسيحية: نحن لا نسعى لإخماد الحياة والمشاعر نحن نسعى فقط للسمو بالحياة فوق مستوى المادة والحس إلى مملكة الروح. كان هذا الجواب تعقيبا على وجهة النظر البوذية كما ذكرها محمد أسد والتي ترى أن السعادة المطلقة ( النيرفانا) تتحقق بالتحرر من قيود المادة جملة واحدة.. كلام القس لم يقنع محمد أسد كونه يلغي الذات والحياة.. قال له: هناك خطأ ما في الفصل بين ما هو جوهري وما هو غير جوهري أي الفصل بين الروح والجسد…
باختصار لا أوافقك على إنكارك لأهمية الاحتياجات الجسدية الفيزيولوجية أو الغريزية ما أومن به وما أرغب فيه يسعيان في اتجاه مختلف فأنا أحلم بشكل للحياة وأصارحك أنني لا أعرف ملامح هذا الشكل بوضوح.
صلاة المسلمين
وهاهي الأقدار تسوقه ليرى هذا الترابط ماثلا أمامه دون أن يقرأ عليه في كتابات المستشرقين، يراه مجسدا في صلاة المسلمين في فلسطين حين رآهم أول مرة يصلون لله رب العالمين، فأدهشته حركاتهم ركوعهم وسجودهم يقول: «ينتظم الرجال في صف واحد طويل ويقف الإمام أمامهم بدوا في نظري مثل جنود في تكامل حركاتهم وتوحدها، كلهم ينحنون في اتجاه مكة المكرمة.. ثم ينتصبون، ثم يسجدون، ويلمسون الأرض بجباههم، مقتدين بإمامهم الذي كان… مغمض العينين وكفاه على ركبتيه يحرك شفتيه بلا صوت، ويبدو عليه الاستغراق التام فيما يفعل: كان يصلي بكل جوارحه.» هكذا ستصيبه الدهشة من صلاة كهذه يتوجه فيها القلب والبدن بالعبادة لله رب العالمين، فيسأل الإمام : هل تعتقد أن الله ينتظر منك أن تظهر له إيمانك بالركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن تصلي بقلبك؟ لماذا كل هذه الحركات؟ فيجيبه الإمام بحكمة المسلم العالم: ألم يخلق الله لنا الروح والجسد معا؟ وبما أنه خلقنا جسدا وروحا ألا يجب علينا أن نصلي بالروح والجسد؟ .
الفطيرة والتأثير النفسي
لم تكن هذه الحادثة سوى أول باب للاطلاع على الإسلام وتحفيزا للإطلاع والبحث لاسيما مع ما رآه من بساطة المسلمين وهدوء نفوسهم وطيبوبة أخلاقهم يقول: « نهض البدوي الذي كان جالسا أمامي ببطء اشترى فطيرة ثم هم بالجلوس وعندما وقعت عيناه علي شطر الفطيرة نصفين وقدم لي نصفها دون أن ينطق بكلمة … وعندما أفكر الآن في ذلك الحدث الصغير يتبين لي أن كل الحب الذي أحببته للشخصية العربية بعد ذلك لا بد أنه تأثر تأثرا كبيرا بتلك الواقعة الصغيرة.
القرآن الكريم
اهتم بالقرآن الكريم فبدأ يقرأ ترجماته المتعددة بحكم أن لغته العربية الضعيفة وقتها لم تكن تسعفه ليقرأ القرآن الكريم مباشرة, وجد مما وجد في القرآن الكريم اهتمامه بالأمور الدنيوية، بل بدقائق الأمور المادية. ووجد في القرآن أنه يضبط غرائز الإنسان ويوجهها وجهتها الصحيحة فلا يقتلها أو يكبتها.
كما هو الشأن في الإنجيل. وفي الوقت نفسه يعالج المشكلات الروحية بعمق أكثر مما هو في التوراة.. فأدرك أن الإنسان وحدة متكاملة لا يتجزأ فهو جسد وروح.. وأدرك أن القرآن هو الفاعل المؤثر في حياة المسلمين، في أخلاقهم، وفي مشاعرهم ، وفي فنهم.
كان ليوبولد فايس رجل التساؤل والبحث عن الحقيقة، وكان يشعر بالأسى والدهشة لظاهرة الفجوة الكبيرة بين واقع المسلمين المتخلف وبين حقائق دينهم المشعّة.
وفي يوم راح يحاور بعض المسلمين مدافعا عن مبادئ الإسلام، ومحمّلاً المسلمين تبعة تخلفهم عن الحضارة الغربية، لأنهم تخلّفوا عن الإسلام.
ففاجأه أحد المسلمين الطيبين بهذا التعليق: «فأنت مسلم، ولكنك لا تدري !». فضحك فايس قائلاً: «لست مسلماً، ولكنني شاهدت في الإسلام من الجمال ما يجعلني أغضب عندما أرى أتباعه يضيّعونه»!!.
ولكن هذه الكلمة هزّت أعماقه، ووضعته أمام نفسه التي يهرب منها، وظلت تلاحقه من بعد حتى أثبت القدر صدق قائلها الطيب، حين نطق (محمد أسد) بالشهادتين.
قام محمد أسد بعد إسلامه بأداء فريضة الحج، كما شارك في الجهاد مع عمر المختار، ثم سافر إلى باكستان فالتقى شاعر الإسلام محمد إقبال، ثم عمل رئيساً لمعهد الدراسات الإسلامية في لاهور حيث قام بتأليف الكتب التي رفعته إلى مصاف ألمع المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث.
مؤلفاته:
– منهاج الإسلام في الحكم.
– الإسلام على مفترق الطرق.
– الطريق إلى مكة (تُرجِم إلى العربية بعنوان: الطريق إلى الإسلام).
– رسالة القرآن (وهو ترجمة معاني سور القرآن الكريم).
– صحيح البخاري: ترجمة وتعليقات.
وفي ترجمته معاني القرآن إلى الإنجليزية، قال إنّ “اليهود حرّفوا معاني كتابِهم”، وإنّ “البشارة بمحمد ما زالت في النسخ الحالية”، وساق سفرَ التثنية 18:18 كمثال من العهد القديم.
ويقول ميكولا كيريوشكا رئيس مركز الدراسات الإسلامية بأوكرانيا، إن أسد كتب أكثر من 16 ألف مقالة أنصفت الإسلام ودحضت الشبهات عنه، حتى إن بعضها كتب قبل أن يعتنق الإسلام بسنوات عديدة.
ويقول عنه آخرون ، إن أسد كان يحمل همّ جميع الشعوب، ولم يكن يرى في الإسلام حلا لمعضلات المسلمين فحسب، بل كان يرى فيه مستقبل البشرية وخلاصها.
أفكاره وآرائه
– الإسلام ليس فلسفة ولكنه منهاج حياة.. ومن بين سائر الأديان نرى الإسلام وحده يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا، ولا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات الجسدية
يقول محمد أسد: «جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم، ولكن ليبقى فيه إلى الأبد والذي جذبني إلى الإسلام هو ذلك البناء العظيم المتكامل المتناسق الذي لا يمكن وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليُتمَّ بعضها بعضاً… ولا يزال الإسلام بالرغم من جميع العقبات التي خلّفها تأخر المسلمين أعظم قوة ناهضة بالهمم عرفها البشر، لذلك تجمّعت رغباتي حول مسألة بعثه من جديد».
وفي كتاب “الطريق إلى مكة”، يقول أسد “رسالة الإسلام أعطت تصورا، ومنحت البشرية حضارة لا مكان فيها للقومية، لا مصالح شخصية، لا طبقية ولا كنيسة ولا كهنة، لا طبقة نبلاء متوارثة.
ويقول : في الحقيقة لا شيء متوارث على الإطلاق.. من أهم الميزات في هذه الحضارة أنها نشأت عن قناعة واتفاق تطوعي بين معتنقيها.
ويقول: إن الإسلام يحمل الإنسان على توحيد جميع نواحي الحياة … إذ يهتم اهتماماً واحداً بالدنيا والآخرة، وبالنفس والجسد، وبالفرد والمجتمع، ويهدينا إلى أن نستفيد أحسن الاستفادة مما فينا من طاقات، إنه ليس سبيلاً من السبل، ولكنه السبيل الوحيد، وإن الرجل الذي جاء بهذه التعاليم ليس هادياً من الهداة ولكنه الهادي.
ويعترف محمد أسد أن العلم لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة المتعلقة بغوامض الحياة وحقيقة الموت، وغيرها مما يجعل تدخل الدين أمرا لا بد منه. ولا تناقض بين البحث العلمي والحقائق الدينية.
سر صمود الإسلام في وجه أعدائه
أدرك أن القرآن الكريم هو أساس هذا البناء الاجتماعي المتماسك. يقول: « إن تعاليم القرآن الكريم خلقت هذا الأساس المتين، وسنة رسول الله صلّ الله عليه وسلم أصبحت إطارا من الفولاذ حول ذلك البناء الاجتماعي العظيم».
ويقول مبينا أن سر صمود الإسلام في وجه أعدائه إنما يكمن في هذا البناء الاجتماعي القائمة أسسه على القرآن الكريم: « إن المدنية الأوروبية لا تزال في واقعها وثنية مادية لا تؤمن بغير القوة من أجل ذلك نرى فرقا عظيما بينها وبين الإسلام الذي بني على الروح والأخلاق والمثل العليا، تلك الأسس التي خلقت في الإسلام مناعة جبارة.. ولا ريب في أن هذه الحقيقة الثمينة قد انكشفت لجلادستون وزير بريطانيا الأول حينما قال” ” ما دام هذا القرآن موجودا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي في أمان”.
الزواج
تزوج محمد أسد الألمانية (تشايمان) التي سمت نفسها (عزيزة) بعد إسلامها، وتوفيت في مكة بمرض الملاريا بعد أيام من أدائها فريضة الحج
ثم تزوج عام 1930م في المدينة من منيرة بنت حسين الشمري وأنجبت ابنه الوحيد طلال
وفاة محمد أسد
توفي المفكر والمستشرق النمساوي المسلم محمد أسد (ليوبولد فايس) يوم 20 فبراير 1992، عن عمر يناهز 91 عاماً في إسبانيا، ودُفن في المقبرة الإسلامية في غرناطة بمنطقة الأندلس.
قضى سنواته الأخيرة هناك مع زوجته بولا حميدة أسد، متفرغاً للكتابة والتأليف بعد حياة حافلة بالدبلوماسية والبحث.




