توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: العمر اتدفع… والحق لازم يرجع

الجزء الأول: الرجل الذي باع وقته

كان اسمه عم حسن.

لم يكن بطلاً في أي فيلم، ولم يكن له تمثال في أي ميدان. كان رجلاً عادياً، بيدين خشنتين من سنين الشغل، وظهر انحنى قليلاً مع الوقت، لكن رأسه لم ينحنِ يوماً.

أربعون سنة.

أربعون سنة كاملة، كل صباح يقوم قبل الفجر، يلبس هدومه بهدوء حتى لا يصحي أولاده، يشرب شايه واقفاً في المطبخ، ويخرج في البرد والحر على حد سواء.

لم يغب يوماً واحداً.

لم يشتكِ يوماً واحداً.

لم يطلب يوماً واحداً ما ليس من حقه.

كان يقول لأولاده دايماً:

“اشتغل وادفع التأمين يا ولدي… ده اللي هيفضل معاك لما تكبر.”

وكانوا يسمعوه ويبتسموا، لأن الكلام ده كان منطقياً. كان عدلاً. كان وعداً بين إنسان ودولة.

الجزء الثاني: اليوم اللي اتغير فيه كل حاجة

جاء يوم التقاعد.

كان المفروض إنه يوم عيد. كان المفروض إنه اللحظة اللي بيجني فيها الإنسان اللي زرعه طول عمره.

لكن لما وقف عم حسن أمام الشباك وأخد الورقة في إيده، وقرأ الرقم…

وقف.

قرأ تاني.

نظر لموظف الشباك.

والموظف نظرله.

مفيش غلطة في الأوراق.

مفيش خطأ في الحسابات.

ده هو المعاش.

الرقم اللي كان المفروض يكفي شهر كامل، ما كانش بيكفي أسبوع بالكاد.

خرج عم حسن من المبنى ببطء.

قعد على السلم.

وللمرة الأولى في حياته… ما عرفش يقوم بسرعة.

الجزء الثالث: في البيت

لما رجع البيت، سألته زوجته أم محمد بعيون مليانة أمل:

“إيه الأخبار يا حسن؟”

نظر ليها طويلاً، وقالها بهدوء:

“أقل من اللي كنا نحسب يا أم محمد.”

سكتت.

هي كمان عرفت من سنين إن الحاجات مش ماشية صح.

بس ما كانتش تتخيل إن الأمر هيوصل للحد ده.

في الليل، بعد ما ناموا الأولاد، قعدوا هما الاتنين على الشرفة الصغيرة. اللي كانوا زمان يقعدوا فيها يحلموا بالمستقبل، دلوقتي بقوا يحسبوا فيها الفلوس.

قالت له:

“نبيع الذهب؟”

قالها بحزن:

“الذهب اتباع من زمان يا ستي… لما محمد اتجوز.”

“نعتمد على الأولاد؟”

قالها وعيونه بتدمع:

“أنا اللي رباهم عشان ما يحتاجوش حاجة… مش عشان يصرفوا عليّ.”

الجزء الرابع: الرسالة

في صحيان يوم تاني، جلس عم حسن وأمسك قلماً وورقة. كتب ببطء بخطه اللي اتعلمه من زمان:

“أنا حسن عبد الرحمن. عمري ستة وستين سنة. اشتغلت أربعين سنة ودفعت كل شهر من غير ما يفوت عليّا شهر واحد.

ما طلبتش منحة، وما مديتش إيدي لحد.

بس دلوقتي بقيت أخاف من آخر الشهر، وبقيت أحسب في الدواء قبل الأكل.

مش عارف أقول لأولادي إن اللي علّمتهم إياه اتكدب.

بس بقولهم برده: اشتغلوا واطلبوا حقكم… لأن الحق لو ما اتطلبش بيتنسى.

أنا مش بكتب ده من الألم.

أنا بكتبه عشان من بعدي ما يجيش يوم يقعد على سلم زيّ ما أنا قعدت.

المعاش مش صدقة. المعاش عمر.

والعمر اتدفع… والحق لازم يرجع.”

الجزء الخامس: الصوت اللي بدأ يكبر

الرسالة دي ما فضلتش في الدرج.

ابنه محمد صورها وبعتها على جروب العيلة.

والعيلة بعتتها لأصحابها.

والأصحاب لأصحابهم.

وفي كل بيت، في كل حتة، في كل ركن من هذا البلد، في كل عيلة فيها واحد وقف أمام شباك زي ما وقف عم حسن، وقرأ رقماً وما صدقش…

في كل بيت فيه ست زي أم محمد بتحسب الفلوس على الشرفة الليل…

قالوا: “ده كلامنا. ده صوتنا.”

الخاتمة: رسالة لمن يملك القرار

أيها المسؤول…

لو وصلك يوم صوت عم حسن، اعرف إنه مش صوت شخص واحد. ده صوت جيل كامل. جيل بنى وصبر وآمن في الوعد.

الجيل ده مش بيطلب معروفاً.

مش بيطلب شفقة.

مش بيطلب صدقة.

بيطلب حقه اللي دفعه بعمره.

والعمر اتدفع فعلاً.

فمتى يرجع الحق؟

“نحن لسنا رقماً في جدول… نحن أناس عاشوا عمرهم كله داخل هذا البلد، وآن الأوان أن يعيش ما تبقى منه بكرامة.”

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أنا والإذاعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى