ماجدة صالح تكتب لـ«30 يوم»: في عيد الحب.. «الرومانسيه تحت الحصار»
في زمنٍ صار فيه الحب أوجهًا متعددة، لكل وجهٍ قناع، ولكلِّ قناعٍ مصلحة، أصبح النقاء عملةً نادرة لا تُتداول إلا بين قلوبٍ ما زالت تؤمن أن المشاعر ليست صفقة، وأن العاطفة ليست مشروعًا استثماريًا. صار الصدق غريبًا بين العاشقين، كأنه ضيفٌ ثقيل لا يُرحَّب به، بينما تُفرش السجادة الحمراء للتمثيل والادّعاء..الحب الحقيقي اليوم لا يصرخ… بل يُهمَس. لا يستعرض نفسه في العلن… بل يختبئ خجلًا من ضجيج الزيف، ومن المؤلم أن زمنًا امتلأ بصور القلوب، فرغ من نبضها؛ وأن عصرًا يتغنّى بالرومانسية، بات يفتقد أبسط معانيها: الإخلاص، فالنقاء ليس ضعفًا، والصدق ليس سذاجة، والوفاء ليس حماقة كما يحاول زمن المصالح أن يقنعنا. بل هي آخر حصون الروح في وجه عالمٍ يريد تحويل الحب إلى عقدٍ مشروط، وإلى علاقةٍ قابلة للفسخ عند أول خسارة، في زمنٍ صار فيه القلبُ سلعة، والمشاعرُ بندًا في قائمة الأسعار، يأتي عيد الحب لا ليحتفل بالعشق… بل ليكشف عُري الواقع. لم يعد السؤال: من تُحب؟ بل: ماذا تملك؟ ولم تعد الوردةُ رسالة شوق، بل فاتورة تُقاس قيمتها بعدد الأوراق النقدية لا بعدد النبضات الصادقة.
لقد تغير وجه الحب يا سادة. كان يومًا نارًا تُشعل الروح، فأصبح ضوءًا باردًا تُشغّله بطارية الرصيد. كان وعدًا لا يُشترى، فأصبح عرضًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء القدرة على الدفع. صار العاشق يُحاسَب كأنه تاجر، تُوزن مشاعره بميزان الهدايا، وتُقاس مكانته بماركات العطور وسعر العلبة الحمراء.
أي زمنٍ هذا الذي صار فيه العشق ترفًا؟ وأيُّ عصرٍ ذاك الذي صار فيه الوفاء عملة نادرة؟ لقد انتصرت المادة، لا لأنها أقوى من الحب… بل لأننا سمحنا لها أن تجلس على عرش القلب. فاستبدلت دفء الكلمات ببرودة التحويلات، واستبدلت نظرة الشوق بإشعار البنك.
عيد الحب اليوم ليس مناسبة للعشاق بقدر ما هو مرآة لخيبتنا الجماعية. نضحك، نتبادل القلوب الحمراء، لكن خلف الابتسامات حكايات صامتة: قلوب تبحث عمّن يفهمها لا عمّن يمولها، وأرواح تتمنى حضنًا صادقًا لا علبة شوكولاتة مستوردة…
فالحب الحقيقي لا يعرف سعر الصرف، ولا يخضع لتقلبات السوق. الحب روح إذا حضرت أغنت، وإذا غابت أفقرت العالم كله. فليكن هذا العيد ثورة هادئة… لا على العشاق، بل على الزيف. ثورة تعيد للحب مكانته الأولى، قيمة لا تُشترى، شعور لا يُصطنع، ونبض لا يُزور .. لأن الحقيقة التي يخشاها زمن المادة هي أن قلبًا صادقًا واحدًا… أغلى من كل كنوز الأرض.
فطوبى لمن أحبّ بصدق في زمن التزييف، ولمن بقي قلبه نقيًّا رغم ضجيج الحسابات. لأن الحب حين يكون لوجهٍ واحدٍ صادق… يصبح كنزًا لا يملكه إلا القليل، ويخسره الكثير…
اقرأ أيضا
ماجدة صالح تكتب لـ «30 يوم» : عندما تفقد المرأه قيمتها!!


