أخبار العالمتوبمنوعات

أنوار رمضانية (3).. المستشرق توماس أرنولد يكشف سر انتشار الإسلام

كتب – صابر رمضان

السير توماس ووكر أرنولد “1864–1930”  مستشرق، ومؤرخ فن، وأكاديمي بريطاني بارز، اشتهر بإنصافه للحضارة الإسلامية. درّس في الهند (جامعة عليكرة)، وألّف كتابه الشهير “الدعوة إلى الإسلام” الذي بحث فيه انتشار الإسلام تاريخياً، كما كان أول محرر إنجليزي لـ “موسوعة الإسلام”.

ولد المستشرق والمؤرخ الإنجليزي الشهير، توماس أرنولد، العام 1864، وعمل بجامعة كامبريدج البريطانية، ودرس اللغة العربية.

وانتقل للعمل في جامعة عليكرة الإسلامية بالهند، وقضى فيها 10 أعوام في الفترة من 1888 وحتى 1898، وخلال هذه الفترة ألف كتابه الشهير «الدعوة إلى الإسلام».

وفي العام 1904، عاد إلى لندن، وعين أميناً مساعداً لمكتبة إدارة الحكومة الهندية التابعة لوزارة الخارجية البريطانية، وعمل في الوقت نفسه أستاذاً في جامعة لندن، وكان أول من جلس على منبر الأستاذية في قسم الدراسات للغات الشرقية، كما عمل أستاذاً زائراً في الجامعة المصرية، وتوفي العام 1930.

سر تفوق الإسلام وانتشاره

في كتابه «الدعوة إلى الإسلام»، تناول أرنولد مسيرة انتشار الإسلام في العالم عبر التاريخ، وفيه سجل العديد من الشهادات المنصفة للدين الإسلامي، ورصد أسباب تفوقه وسرعة انتشاره، ويقول في إحدى هذه الشهادات المنصفة: «إن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم يدل على مجرد القضاء على قليل من عادات وحشية فحسب، وإنما كان انقلاباً كاملاً لمثل الحياة التي كانت من قبل».

ويضيف أرنولد قائلاً: «ومن الأمور التي ساعدت على انتشار الإسلام، بالإضافة إلى بساطة العقيدة الإسلامية التي تعتمد في تأسيس الإيمان على مقدمات عقلية بسيطة، سماحة الإسلام مع الرعايا الجدد.

وفي شهادة منصفة أخرى سجلها أرنولد بقوله: «لم نسمع في ظل الإسلام عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن اضطهاد منظم قصد منه استئصال أي دين آخر.

وقال أيضاً: «كان المثل الأعلى الذي يهدف إلى أخوة المؤمنين كافة في الإسلام من العوامل القوية التي جذبت الناس بقوة نحو هذه العقيدة».

كما قال: «إن للإسلام كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد التي قامت على أساس المنطق والعقل».

وتابع: «لا حاجة إلى القول بأن صيام شهر رمضان جزء من دليل ثابت يدحض النظرية القائلة بأن الإسلام نظام ديني يجذب الناس عن طريق مراودتهم في ملذاتهم الشخصية».

انتشار الإسلام

وأضاف: ويرجع انتشار الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى اجتماعية وسياسية ودينية، على أن هناك عاملاً من أقوى العوامل الفعالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة، تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة من المسلمين وقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي الرسول مثلاً أعلى وقدوة صالحة، إنه يجب ألا نلتمس الأدلة على روح الدعوة الإسلامية في قسوة المضطهد، أو عسف المتعصب، ولا حتى مآثر المحارب المسلم ذلك البطل الأسطوري الذي حمل السيف في إحدى يديه، وحمل القرآن في اليد الأخرى، وإنما نلتمسها في الأعمال الوديعة الهادية التي قام بها الدعاة وأصحاب المهن الذين حملوا عقيدتهم في كل صقع من الأرض».

المحور الرئيس للكتاب” الدعوة إلى الإسلام “، تناول فيه ،كيف تمكن المسلمون من الانتصار في معركة “كسب العقول والأرواح”، وليس فقط في المعارك العسكرية، فقد خرج الفارس المسلم يحمل سيفه بيد، ويحمل القرآن باليد الأخرى.

فهذا الفارس يستطيع أن يشرح للناس مبادئ الإسلام، وأسهمت بساطة العقيدة الإسلامية في تحقيق هذا الهدف، فهي تقوم على أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وكل ما يُطلب من الذي يدخل في الإسلام هو قبول هاتين الشهادتين.

يقول أرنولد: إن هذه العقيدة البسيطة لا تثير مصاعب عقلية، وهي خالية من المخارج والحيل النظرية اللاهوتية، وكان من الممكن أن يشرحها أي مسلم، حتى أقل الناس خبرة بالعبارات الدينية النظرية.

ويقول: إن العقيدة الاسلامية تتلخص في الاعتقاد بوحدانية الله ورسالة نبيه محمد صلّ الله عليه وسلم، وهما أمران يستقران في نفس المسلم علي أساس ثابت من العقل والمنطق، فالشطر الأول من هذه العقيدة يعبّر عن مبدأ يكاد يقبله جميع الناس على أنه فرض لا بد منه.. فهل يشير أرنولد بذلك إلى مفهوم “الفطرة”، وأن الإنسان يؤمن بالله بفطرته إذا تحرر من الضغوط النفسية والمادية والقيود التي يفرضها عليه الطغاة.

ويضيف: إن بساطة تعاليم الإسلام ووضوحها من أظهر القوى الفعالة في الدين، وفي الدعوة إلى الإسلام.

إن هذه البساطة واقتناع الدعاة إلى الإسلام بعقيدة التوحيد من أهم أسس النجاح في الدعوة الإسلامية، فهؤلاء الدعاة يقومون بنشره اقتناعًا، وهم يشرحون مبادئ الإسلام بأساليب تخلو من التعقيدات الفلسفية، بحيث يفهمها الشخص العادي، لذلك اتخذت طريقها إلى ضمائر الناس.

جذب قلوب الناس وعقولهم

ويقدّم أرنولد تفسيرًا جديدًا ومهمًّا يمكن أن يسهم في زيادة فهمنا للانتصارات التي حققها المسلمون، فالدعوة أمدت المسلمين بوسائل الفتح الذي لا يُقهر، وأعطتهم الثبات في العزيمة والقوة في الإرادة، وملأت قلوبهم بالصبر الذي لا يعرف سبيلًا إلى الشكوى.

لذلك كانت حماسة المسلمين لنشر الدين وتعليم الناس الإسلام من أهم أسباب الانتصارات التي حققوها على الفرس والروم، فقد رحّبت الشعوب بالفاتحين الفرسان العلماء الدعاة الذين ينشرون المعرفة.

ركز أرنولد على مبدأ مهم جذب قلوب الناس وعقولهم إلى الإسلام، فعدَّه “المثل الأعلى”، وهو أخوّة المؤمنين كافة في الإسلام، وفي ضوء ذلك نظر إلى العبادات الإسلامية بمنظور جديد خاصة الحج الذي يجتمع فيه المؤمنون كل عام على اختلاف شعوبهم ولغاتهم من جميع أنحاء العالم، للصلاة في المكان المقدس الذي يولون وجوههم شطره في صلاتهم، وهذا يطبع في عقولهم معنى حياتهم المشتركة، وأخوّتهم التي ارتبطت برباط الدين.

يضيف أرنولد: في ذلك المكان ترى زنجي ساحل إفريقيا يلتقي بالصيني من أقصي الشرق، ويتعرف التركي علي أخيه المسلم من أهل الجزائر.

و تتطلع قلوب المؤمنين في جميع أنحاء العالم الإسلامي في عطف وحنين إلى إخوانهم الأسعد حظًّا الذين تجمعوا في المدينة المقدسة، فيحتفلون في أوطانهم بعيد الأضحى.

كما أن زيارتهم للمدينة المقدسة تجربة تحثهم على الجهاد في سبيل الله.

وإلى جانب الحج نجد الزكاة، وهي من فروض الإسلام التي تذكّر المسلم دائمًا بقوله تعالي: {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات: 10).

ويصف أرنولد ذلك بأنها نظرية دينية تتحقق بصورة رائعة في المجتمع الإسلامي، فالمسلم الجديد مهما يكن جنسه ولونه يُقبل في زمرة المؤمنين، ويتبوأ مكانه على قدم المساواة مع أقرانه المسلمين.

كما أن الصلاة تجعل عقيدة المسلم متشابكة مع حياته اليومية، فتجعله إمامًا ومُعلمًا لعقيدته، ويستطيع أن يجذب الناس بتقديم الحقيقة في صورة حاسمة وواضحة ودقيقة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى