توبكُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب: حكايات من دفتر المواطنة الشعبية ( 2 ) .. يوم خلعت منوف النقاب عن وجهها الصبوح

ورثت أمي الكحل الأسود وفنونه من أمها روحية، ولكنها أهملت الشَّشْم الأبيض، اختفى تمامًا من بيتنا كما اختفت البركة، واشتعلت الأسعار نارًا، ولم يعد أجر والدي اليومية كافيًا، فاضطرت والدتي إلى بعض الأعمال الإضافية كتقطيف السمر في صناعة الحصير.

أصبحت أمي هي الركن الثاني لأسرتنا الصغيرة، ولكنه الركن الأهم، فمع عملها في المعهد الإلكتروني بمنوف لساعات طوال، كانت تقوم بشؤون البيت كله، أصبحت أمي ست الستات، تحمل كل الأعباء بنفس راضية، وتحمد الله على ما رزقها، وتبتسم ابتسامة الرضا في السراء والضراء.

وعندما ماتت أمي رجاء بنت عبد اللطيف بن موسى نصر، كنت في سري أناديها (رجاء من الله)، وخشيت انقطاع الرجاء الإلهي برحيلها، شعرت أنني سأسير عاجزًا من قسوة الفقد، فقد كان الألم الذي انتابني ثقيلًا لدرجة أنه أعجز قدمي عن الحركة لأيام، فقد ماتت جميلة الجميلات التي حملتني في بطنها ثم حملتني في حياتي كلها بعد ذلك..

**

وكان المعهد الإلكتروني شهيرًا وقتها، ومقصدًا للصعايدة من أسيوط والمنيا، وهذا المعهد تحديدًا لعب دورًا خطيرًا فيما شهدته منوف من تغيير في بنيتها الاجتماعية، جلب الجماعات المسماة وقتئذ ب ( الاسلامية ) قبل افتضاح تطرفها وارهابها  إلى مدينة منوف، وترك بصماته الغائرة على تركيبتها السكانية .

قبله ( قبل الطوفان ) كانت منوف مدينة راقية، متحضرة، ترتدي بنات الناحية البحرية، الحي الإفرنجي، أو حي الأفندية، ما يحلو لهم من ثياب أمنين مطمئنين .

الناحية البحرية كانت موطن كبار الموظفين، والعائدين من الخليج إلا العائدين من العراق، فهؤلاء أبناء الناحية القبلية، العراق كانت مصدر رزق الناحية القبلية، وتسببت في خراب الناحية، عندما سافر شبابها جماعات إلى بغداد وأجوارها، وكما سحبت الكويت شباب سوهاج، سحبت العراق شباب منوف، وغالبية بيوت عزبة المغربي المبنية من الطوب الأحمر من حصاد رحلة الشقاء إلى العراق.

لم تعرف عزبة المغربي التسجيلات أم اتنين سماعة إلا مع العائدين من العراق، كما لم تعرف الناحية البحرية البناء بالمسلح إلا مع العائدين من السعودية والكويت، لا أعتقد أن قطر أو البحرين أو الإمارات استقبلت منايفة .

مع القادمين من الصعيد إلى منوف، عرفت البلدة التجارية التي لا ينافسها في المحافظة سوقًا، عرفت اللحى والجلابيب القصيرة، عرفت التطرف، وخافت البنات على نفسها، وانتشر الحجاب وتطور إلى نقاب، منوف تحجبت، وصار خروج فتاة إلى الشارع بدون حجاب من العيب، بنت متربتش، أو ناقصة رباية، وتبعها اختفاء محلات المشروبات الروحية ، وكانت الأسارية “الميدان الأوسط” فقط بها محلَّان لبيعها ، قبل أن تختفي مثل هذه المسميات تمامًا من المدينة الصغيرة .

وفيما لم تزد الكنيسة الوحيدة في منوف شبرًا واحدًا عما تركتها  الإبراشية ، شهدت النواحي الأربع للمدينة حركة بناء مساجد، حتى توارت المساجد القزمية القديمة بأعلامها الشهيرة تحت وطأة زخرف المساجد الجديدة التي أمَّها الإخوان والسلفيون، وسيطروا على الحراك الديني في مدينة لم تعرف الطائفية، الحركة التجارية لم تصمد طويلًا أمام الغزو الممنهج للتدين القشري الذي بات يلعب برؤوس الشباب، واختفت مظاهر المدنية تمامًا، إلا أخيرًا مع ثورة الشباب الذي أعاد لمنوف أنوارها من جديد، وعادت الحركة التجارية نشطة مدفوعة بملايين مملينة لا أحد يجد تفسيرًا لها سوى تجارة العقارات وأشياء أخرى.

**

منوف التي ظن الإخوان يومًا أنها صارت إخوانية هي المدينة الوحيدة في عموم القطر المصري التي قالت لدستور الإخوان 2012 “لا” غليظة، ووقفت في حلوقهم طويلًا، وحاولوا كثيرًا اختراق بنيتها البشرية، فلم يفلحوا، ورغم ما بدا ظاهرًا للعيان من سيطرة اللحى والجلباب والحجاب، إلا أن المدنية والتعليم والثقافة عبرت عن نفسها في وضوح الشمس، ووقت سلَّمت القاهرة رايتها للإخوان، وسلَّمت شقيقتها الإسكندرية رايتها للسلفيين، أبت المنوفية، ولم يتمكن الإخوان من تنصيب محافظ إخواني على المنوفية، ولم يدخل مبنى المحافظة في شبين الكوم المحافظ الإخواني، سدَّ أبناء المنوفية الباب بأجسادهم .

ويوم انتخابات الجنرال أحمد شفيق ضد مرشح الإخوان محمد مرسي وقفت المنوفية مع شفيق، لدرجة وصفها ب ( محافظة المليون شفيق ) ، حصل شفيق على ما يزيد على المليون صوت من المنوفية، وكانت الطليعة من مركز منوف الذي حار الإخوان فيه طويلًا، ولم يفكر مرسي في عنفوانه أن يتحدى المنايفة، أجَّل السيطرة عليها حتى يستتب لهم الأمر في منطقة القناة، وكان فُرض عليها حظر تجوال فاشل، لم يُطبَّق منه الجيش سوى الشكل أما الجوهر فتجسد في شعار الجيش والشعب إيد واحدة، وكان من مظاهره مباريات الكرة بين جنود الجيش وشباب المدن الثلاث ليلًا في ظل حظر التجوال الإخواني الظالم.

ويوم 30 يونيو كان من أيام منوف المجيدة، تنادت الجوامع على الناس بالخروج، ودقت الكنيسة أجراس الفرح، وطاف في منوف المنادي يعلن نهاية الإخوان، وينادي على الإخوان ومن والاهم: من لزم قعر بيته فهو آمن، وحلق المتأخونون لحاهم، وارتدوا الثياب المدنية، ومكثت منقباتهن في البيوت، وخلت منوف إذ فجأة من الإخوان والتابعين.

كانت فرحة أختي “نادية” الله يرحمها عظيمة، وخرجت مع النسوة الخارجات، شكَّلن مظاهرة نسائية ضد الإخوان، وهتفن  بسقوط المرشد، لسبب أنني كنت من ألد أعداء الإخوان، وتتهمهم ( نادية ) دومًا بأنهم وراء استقالتي من رئاسة تحرير مجلتنا الحبيبة “المصور”، وكانت تخشى على حياتي قدر ما تسمع عن إجرامهم، ويصلها الدعاء على شخصي في مساجدهم بالمدينة .

وعاشت نادية والعائلة أيامًا وليالي قاسية تستمع للمذيع القروي “توفيق عكاشة” صاحب الصيت الذائع والذي كان يمر على اسمي ومقالاتي في “المصري اليوم” كثيرًا، ويمجد ويعظم في موقفي العتيد من الإخوان، وكان هذا يخلع قلب أختي، وبدلًا من مكالمة واحدة يوميًا تعددت المكالمات للاطمئنان، وكادت تترك بيتها عندما تعرضت لتهديدات، وفكرت أن أعود إلى منوف حتى تنزاح الغمة الإخوانية ولكن هيهات، النداهة (القاهرة) لا تزال تمسك بخناقي.

 اقرأ أيضا

الإعلامي حمدي رزق يكتب: السيسي يُحسن اختيار سفرائه إلى إفريقيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى