كتب – صابر رمضان :
تأثر الكثيرون بإسلام الأكاديمي المجري عبد الكريم جرمانوس، واسمه قبل الإسلام (جيولا جرمانوس) وذلك نظرا لحياته المليئة بالكفاح والمثابرة والبحث عن الحقيقة ،وتعلمه لعدة لغات، فقد كان شغوفا بالبحث والعلم والدراسة، وأسلم بعد أن رأى النبي محمد صلّ الله عليه وسلم في رؤيا منامية غيرت حياته وبددت حيرته إلى طريق الهداية والسكينة والراحة والطمأنينة.
عبد الكريم جرمانوس، واسمه قبل الإسلام (جيولا جرمانوس) ولد عام 1884 م، وتوفى عام 1979(1884- 1979).
هو مستشرق مجري شهير، اعتنق الإسلام، وكان أستاذاً في الدراسات الإسلامية واللغة العربية، وعضواً في البرلمان المجري، وعُرف بحبه للعربية.
متخصص في الآداب واللغات الشرقية، وقد عرف على نطاق واسع بعد اعتناقه الإسلام بالهند وتأليفه العديد من الكتب عن روائع الشرق وآداب العرب وجمال الصحراء.
مولد ونشأة عبد الكريم جرمانوس
ولد عبد الكريم جرمانوس واسمه الأصلي جيولا جيرمانوس في العاصمة المجرية بوادبست في 26 نوفمبر عام 1884، وقد نشأ مسيحيا متدينا.
تعلم اللغات الألمانية والفرنسية واللاتينية في صغره، ثم التحق بجامعة بودابست وتخصص في دراسة اللغة والآداب التركية، وقد حصل منها على البكالوريوس ثم نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف في التخصص ذاته عام 1908.
كما درس الفارسية على المستشرق آرمين فامبيري، والعربية على يد المستشرق إيفناتس جولدزيهر، وورث عنهما الشغف بالشرق الإسلامي.
عام 1912 عيّن أستاذا للغات العربية والتركية والفارسية وتاريخ الإسلام في الأكاديمية الملكية المجرية للدراسات الشرقية في بودابست، وعمل أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة البنغال بالهند في الفترة من 1929 وحتى 1933.
وشغل جرمانوس منصب رئيس المعهد الشرقي في بودابست عام 1941، وعين رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية العلوم والفنون بجامعة بودابست عام 1944.
كما عمل موظفا برئاسة الوزراء مكلفا بمتابعة ما يصدر من الصحف في الشرق، وانتخب عضوا في البرلمان المجري في الفترة من 1958 حتى 1966.
بعد دراسته للغات الشرقية بدأ رحلاته إلى العالم الإسلامي أسوة بالمستشرقين الذين درس على أيديهم وورث عنهم حب الشرق.
عام 1902 زار جرمانوس البوسنة وكانت رحلته إليها أول احتكاك له بالمسلمين. وفي عام 1903 رحل إلى تركيا والتحق بجامعة إسطنبول حيث تابع دراسته للغة التركية على مدى عامين.
وقد أتيحت له في تركيا فرصة التعرف على الإسلام من خلال قراءته تفسير القرآن “وتعرّفه على السنة من مصادرها الصحيحة”. وعن هذه المرحلة يقول:
“حُبِّب لي الإسلام؛ لأنه دينُ الطُّهر والنظافة والسلوك الاجتماعي والشعور الإنساني، ولا تستهنْ بالنظافة الجسمية فهي رمز ولها دلالتها.
سر إسلام “عبد الكريم جرمانوس”
يروي الدكتور (عبد الكريم جرمانيوس) أسباب اهتدائه إلى الإسلام، فيقول:
“كان ذلك في عصر يوم مطير، وكنتُ ما أزال في سنّ المراهقة، عندما كنتُ أقلِّب صحائف مجلّة مصوّرة قديمة، تختلط فيها الأحداث الجارية مع قصص الخيال، مع وصف لبعض البلاد النائية؛ بقيت بعض الوقت أقلِّب الصحائف في غير اكتراث إلى أن وقعت عيني فجأة على صورة لوحة خشبيّة محفورة استرعت انتباهي، كانت الصورة لبيوت ذات سقوف مستوية تتخلّلها هنا وهناك قباب مستديرة ترتفع برفق إلى السماء المظلمة التي شقّ الهلال ظلمتها.
ملكت الصورة عليَّ خيالي، وأحسستُ بشوق غلاّب لا يقاوم إلى معرفة ذلك النور الذي كان يُغالب الظّلام في اللّوحة.
بدأتُ أدرس اللّغة التركيّة، ومن ثَمَّ الفارسية فالعربية، وحاولتُ أن أتمكن من هذه اللغات الثلاث حتى أستطيع خوض هذا العالم الروحي الذي نشر هذا الضوء الباهر على أرجاء البشريّة”.
وفي إجازة صيف كان من حظي أن أُسافر إلى البوسنة – وهي أقرب بلد شرقيّ إلى بلاده – وما كدت أنزل أحد الفنادق حتّى سارعت إلى الخروج لمشاهدة المسلمين في واقع حياتهم، حيث خرجت بانطباع مُخالف لما يُقال حول المسلمين.
وكان هذا هو أوّل لقاء مع المسلمين.. ثمّ مرّت سنوات وسنوات في حياة حافلة بالأسفار والدراسات، وكنت مع مرور الزّمن تتفتّح عيوني على آفاق عجيبة وجديدة.
ورغم تطوافه الواسع في دنيا الله، واستمتاعه بمشاهدة روائع الآثار في آسيا الصغرى وسوريا، وتعلّمه اللّغات العديدة وقراءاته لآلاف الصفحات من كتب العلماء، قرأ كلّ ذلك بعين فاحصة، يقول:
«ورغم كلّ ذلك فقد ظلّت روحي ظمأى».. وفي أثناء وجوده بالهند، رأى ذات ليلة – كما يرى النائم – كأنّ محمّدًا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يخاطبه بصوت عطوف: (لماذا الحيرة؟! إنّ الطريق المستقيم أمامك مأمون ممهّد مثل سطح الأرض.. سِرْ بخُطا ثابتة وبقوّة الإيمان).
وفي يوم الجمعة التالية، وقع الحدث العظيم في مسجد الجمعة في دلهي، حينما أشهر إسلامه على رءوس الأشهاد.
وعن تلك اللّحظات المفعمة بالأحاسيس يتذكّر (الحاج عبد الكريم جرمانوس)، فيقول: “كان التأثّر والحماس يعمّان المكان، ولا أستطيع أن أتذكّر ماذا كان في ذلك الحين، وقف الناس أمامي يتلقّفونني بالأحضان.
كم من مسكين مجهد نظر إليَّ في ضراعة، يسألني الدعوات ويريد تقبيل رأسي، فابتهلتُ إلى الله أن لا يدع هذه النفوس البريئة تنظر إليِّ وكأنِّي أرفع منها قدرًا، فما أنا إلاَّ حشرة من بين حشرات الأرض، أو تائه جادّ في البحث عن النور، لا حول لي ولا قوة، مثل غيري من المخلوقات التعيسة، لقد خجلتُ أمام أنّات وآمال هؤلاء الناس الطيِّبين. وفي اليوم التالي وما يليه كان الناس يفدون عليَّ في جماعات لتهنئتي، ونالني من محبّتهم وعواطفهم ما يكفيني زادًا مدى حياتي.
عن أسباب اعتناقه للإسلام كتب ما يلي:
(لا يوجد في تعاليم الإسلام كلمةٌ واحدة تعوقُ تقدُّم المسلم، أو تمنعُ زيادةَ حظه من الثروة أو القوة أو المعرفة، وليس في تعاليمِ الإسلام ما لا يُمكِن تحقيقُه عمليا، وهي معجزة عظيمة يتميز بها عن سواه، فالإسلام دين الذهن المستنير، وسيكون الإسلام معتقد الأحرار).
عاد بعدها للمجر، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة بودابست، كما أمضى سنوات للدراسة والبحث في بريطانيا والنمسا.
وقد عرف في الأوساط الأكاديمية واحدا من أهم المستشرقين، بعد أن تولى تدريس تاريخ الفكر الإسلامي واللغتين العربية والتركية بالأكاديمية الملكية المجرية.
في عام 1929 بدأ جرمانوس رحلته الشهيرة للهند بدعوة من الشاعر رابندرانات طاغور لإنشاء قسم الدراسات الإسلامية في جامعة سانتينيكيتان بكلكتا، وقد أمضى ثلاث سنوات في البنغال.
وخلال وجوده بالهند حاضر في العديد من جامعاتها والتقى بالزعيم المهاتما غاندي وقادة آخرين.
وفي عام 1934 زار العاصمة الهندية نيودلهي بدعوة من عميد جامعة دلهي الإسلامية زاكر حسين الذي أصبح رئيسا للهند لاحقا عام 1967.
يقول جرمانوس إنه كان يشعر بفراغ روحي قبل زيارته لنيودلهي، وما لبث أن أشهر إسلامه في جامعها المعروف باسم “شاه جيهان”.
عن تلك اللّحظات المفعمة بالأحاسيس يقول جرمانوس “كان التأثر والحماس يعُمّان المكان، ولا أستطيع أن أتذكر ماذا كان في ذلك الحين، وقف الناس أمامي يتلقفونني بالأحضان، كم من مسكين مجهد نظر إلي في ضراعة، يسألني الدعوات ويريد تقبيل رأسي.
وأضاف “لقد خجلتُ أمام أنّات وآمال هؤلاء الناس الطيِّبين، وفي اليوم التالي وما يليه كان الناس يفدون عليَّ في جماعات لتهنئتي، ونالني من محبّتهم وعواطفهم ما يكفيني زادا مدى حياتي.
عبد الكريم جرمانوس يزور مصر والجامع الأزهر
بعدها ألقى خطبة في المسجد ذاته عن ازدهار الإسلام، وقد لاقت صدى واسعا في الهند والعالم الإسلامي وتناقلتها الصحف.
بعد اعتناقه الإسلام اختار جرمانوس لنفسه اسم (عبد الكريم)، وأصبح يعرف في العالمين العربي والإسلامي بهذا الاسم، كما اعتنقت زوجته الإسلام وأديا لاحقا فريضة الحج.
تقول المصادر إن معرفته باللغات الشرقيّة مكنته من الاستمتاع بروائع الآثار الشرقيّة في آسيا الصغرى وسوريا والهند، كما أقام لفترة بمصر حيث درس بالجامع الأزهر، وقد بذل جهودا كبيرة في التعريف بالثقافة والأدب العربيين وبالإسلام وحضارات الشرق.
مكانته العلمية أهلته للحضور في الملتقيات الأدبية والثقافية في العالمين العربي والإسلامي، وقد نال عضوية المجامع العلمية واللغوية في القاهرة ودمشق وبغداد كما شغل عضوية معهد الأبحاث الشرقية بلندن عام 1972.
مؤلفات عبد الكريم جرمانوس
ألف عبد الكريم جرمانوس عشرات الكتب والأبحاث، ومن أبرزها:
الحركات الحديثة في الإسلام، الأدب التركي الحديث، الأدب العربي في المهجر، أضواء الشرق، اكتشاف الجزيرة العربية، تاريخ الأدب العربي، التيارات الحديثة في الإسلام، شوامخ الأدب العربي، على هدى نور الهلال، وغرام في الصحراء.
وقلده السلطان العثماني محمد السادس الوسام المجيدي في إسطنبول، وخصصت جامعة بودابست كرسيا باسمه لدراسة التاريخ العربي والإسلامي.
قبل وفاته
( لقد تمنيتُ أن أَعِيش مئةَ عام لأحقِّق كل ما أرجوه لخدمة لغة القرآن الكريم، فدراسة لغة الضاد تحتاج إلى قرن كامل من الترحال في دروب جمالها وثقافتها).
وفاة عبد الكريم جرمانوس
توفي عبد الكريم جرمانوس بالعاصمة المجرية بودابست في 7 نوفمبر 1979 ودفن وفق الشريعة الإسلامية.




