حماد الرمحي يكتب: محمود عبد العظيم في رحاب الله
في آخر ليلة من شعبان، ومع أول نفحات رمضان، رحل الكاتب الصحفي الكبير محمود عبد العظيم إلى ربه، وكأنما اختار الله له موعدًا بين وداع شهر واستقبال شهر، بين انطفاء زمن وولادة نور.
رحل في لحظة فاصلة، لحظة تصعد فيها الدعوات وتصفو فيها القلوب، وكأن السماء كانت تتهيأ لاستقباله في رحابها الواسعة، بعد رحلة كانت كلها كفاحًا ونقاءً وإخلاصًا.
كان الأستاذ محمود عبد العظيم بالنسبة لي بداية الحكاية، فهو أول يد امتدت إليّ بعد تخرجي من كلية الآداب جامعة بنها، أول صوتٍ قال لي: «اكتب» وأول عينٍ قرأت لي سطورًا فابتسمت أو صحّحت، وأول من ربط على كتفي بحنوّ الأب قبل صرامة المعلم.
كان أول من استقبلني في جريدة الوفد عام 1998، والتي كانت أول مدرسة صحفية أطرق بابها، وكان هو أول معلم أجلس بين يديه.
هناك، تحت قيادته، تعلّمت أول حروف الخبر، وأول معنى للصدق المهني، وأول درس في أن الصحافة رسالة قبل أن تكون وظيفة، علّمني أن العنوان أمانة، وأن المعلومة مسؤولية، وأن الصحفي الحقيقي لا يبيع ضميره ولو ضاق به الرزق، وكان يمنحني القوة كل يوم حين كان يقول: «إنت موهوب وهيكون لك مستقبل، بس تحمل قسوة المهنة».
وبكل أسف.. لم تطل المدة التي عملت فيها تحت قيادته، إذ غادرت «الوفد العريق» إلى جريدة السياسة الكويتية مع الراحل الكبير أحمد الجار الله، كما أنه غادر الوفد بعدي إلى الأهرام ليبدأ هناك رحلة من المجد في بلاط صاحبة الجلالة.
كان محمود عبد العظيم أخلاقًا تمشي على الأرض، كريمًا في علمه قبل عطاياه، مخلصًا لتلاميذه، يحتضن أخطاءنا كما يحتضن الأب عثرة ابنه وهو يتعلم المشي.
كان يمتلك شهامة ابن البلد، ونخوة المصري الريفي الأصيل، ابن الفيوم الطيبة، الذي لم تغادره بساطة الأرض وإن صعدت به المهنة إلى أعلى المنابر.
في آخر أيامه، اختبره الله بالمرض اللعين، فكان كما عرفته: صابرًا محتسبًا، لا يشكو إلا إلى الله. وكلما اتصلت به، كان يردد جملته التي لا تغيب عن أذني: «أنا راضي يا حماد… وصابر ومحتسب… بس والنبي ادعيلي».
لم أسمع منه جزعًا، لم أرَ فيه سخطًا، بل رأيت قلبًا سلّم أمره لربه كما سلّم عمره للصحافة بصدق وإخلاص.
وفي مثواه الأخير.. وقفت أمام الجثمان على باب القبر، وشريط الذكريات يعود بي أكثر من ثمانية وعشرين عامًا، كيف أوفي هذا الرجل حقه؟ كيف أرد له بعض ما صنعه؟ لقد صنع مني إنسانًا قبل أن يصنع مني صحفيًا، وصنع مني كاتبًا قبل أن أعي معنى الكتابة.
لم أجد عملاً أقدمه له وهو محمول على أكتافنا سوى أن أنزل معه القبر، لأودعه وأشيّعه بيدي، وأُلحده بيدي، وأن أواريه الثرى بأصابعي التي علّمها كيف تكتب أول خبر في حياتها.
دخلت القبر، والله ما رأيت فيه إلا نورًا.. نورًا غامرًا بدّد رهبة اللحظة، حتى إننا طلبنا ممن كانوا معنا أن يطفئوا أنوار هواتفهم، وكأن المكان لا يحتاج إلى ضوء.
دخلت القبر، فوالله ما شممت إلا ريحًا طيبًا ونسيمًا عليلًا، يخالف ما اعتدناه من وحشة القبور.
دخلت القبر وأنا ألقنه الشهادتين، وأشهد الله كأنني كنت أسمع في قلبي صدى كلماته.. كلمةً بكلمة، وشهادةً بشهادة، وتوحيدًا بتوحيد.
خرجتُ من القبر، وقلبي ما زال معلّقًا هناك في ذلك الموضع الضيق الذي اتسع بنور الرضا.
خرجتُ وأنا أجد دموعًا باكية تتساقط في صمتٍ ثقيل، ووجوهًا شاحبة كأن الحزن خطَّ عليها ملامحه بخطٍ أسود لا يُمحى، وقلوبًا منكسرة لا تجد للكلمات موضعًا.
خرجت من القبر على صرخات شقيقته المكلومة: «مع السلامة يا محمود.. مع السلامة يا حبيبي.. أنت مش خسارة عند ربنا يا أبو عمر…».
نَم قرير العين يا أبا عمر… فقد أدّيت الأمانة، وعلّمت وأخلصت وصبرت ورضيت، واستقبلت رمضان في رحاب ربٍ كريم لا يضيع عنده مثقال ذرّة من خير.
وداعًا أستاذي الأول… وداعًا من صنع مني إنسانًا.. وداعًا من علمني حب الناس والفناء في خدمتهم.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اقرأ أيضا
د. حماد الرمحي يكتب: أزمة «البوابة نيوز» .. خارطة طريق في غرفة الإنعاش




