توبمنوعات

أنوار رمضانية (1): السويسري بوركهات انبهر بأخلاق المسلمين فأسلم ومات ودفن بمصر

كتب- فايز الصفدي

كان المستشرق السويسري «جون لويس بوركهارت» من أوائل الرحالة الغربيين المستكشفين لبلاد العرب في عصر الإمبراطورية العثمانية.

وهو يحتل مكانة مهمة بين المستشرقين، حيث كان أدقهم وصفاً للدول العربية والإسلامية وعادات وتقاليد شعوبها.

عبقرية قيم وتعاليم الإسلام

وحرص بوركهارت في بعض مؤلفاته وكتاباته على الحديث عن سماحة الإسلام وعبقرية قيمه وتعاليمه التي تجعله قريباً إلى قلوب أولئك الذين يعشقون الحرية.

وكتب يقول: تتجلى ديمقراطية الإسلام التي أثارت إعجابي في تساوي الحقوق بين الملك صاحب السلطان، والفقير المتسول داخل جدران المسجد، فهم يسجدون جميعاً لله، ليست هناك مقاعد تستأجر، ولا أماكن تحجز لفئة دون أخرى.

كما أن الاعتدال والتوسط في كل شيء دعامتان أساسيتان في الإسلام، استحوذتا على كل إعجابي وتقديري، فضلاً عن أن المسلم لا يؤمن بوسيط بينه وبين ربه، بل يتجه رأساً إلى الله، خالق الخلق، وواهب الحياة.

 مولده

في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1784م، ولد بوركهارت في مدينة لوزان بسويسرا من أب سويسري وأم إنجليزية، وعندما أنهى مراحل دراسته الأولى التحق بمدرسة «نوف هوتيل» الثانوية، وفي عام 1800م التحق بجامعة ليبزيج.

وبعد احتلال الإمبراطور الفرنسي نابليون لبلاده عام 1806م اضطر إلى الانتقال إلى لندن، وهناك درس بجامعتي لندن وكمبريدج اللغة العربية، وعلم الفلك، وعلم المعادن، والكيمياء، والطب والجراحة، وكان المناخ العام في لندن مهتماً بالعالم الإسلامي ومنافسة فرنسا في هذه المنطقة، وهو ما جعله يلتحق بالجمعية الملكية المعنية بالاكتشافات الجغرافية في أفريقيا، والتي رشحته للقيام برحلة استكشاف في إفريقيا.

أخلاق المسلمين

وفي مارس من عام 1809م غادر بوركهارت إنجلترا، ليقضي 3 سنوات في مدينة حلب السورية، وهناك تعلم اللغة العربية وتعرف على الثقافة العربية والإسلامية، وانبهر بعادات وأخلاق المسلمين وارتباطهم بقيم وتعاليم دينهم، وهو ما جعله يعتنق الإسلام ويطلق على نفسه اسم «الشيخ إبراهيم بن عبدالله»، وأدى فريضة الحج سنة 1814م.

وبسبب المرض اضطر للبقاء في مكة حتى منتصف عام 1815م، وهو ما سمح له بتدوين العديد من المعلومات عن المنطقة وعن عادات الوهابيين والبدو في نجد والحجاز في مخطوطات كتبها باللغة العربية، كما كان أول من رسم خارطة أوروبية حديثة لمدينة مكة.

رحلاته

وخلال وجوده في مكة أطلق لحيته على الطريقة الشرقية وارتدى الملابس الشرقية، وبعد أن رحل عن مكة قام بعدة رحلات لمناطق أثرية مثل بعلبك في لبنان، ومناطق من العراق، ومدينة تدمر في سوريا، ثم واصل رحلاته متوجهاً إلى مصر، وفي طريقه إلى مصر مر بفلسطين والأردن، وكان أول مستشرق غربي يكتب عن مدينة البتراء التي قال عنها: «إنها آثار مدينة مهيبة تقع في وادي موسى، فيها نشاهد مدافن منحوتة في الصخر وبقايا معابد وقصور ومدرجات وقنوات مياه وغيرها من الغرائب والروائع النادرة التي تجعل هذه المدينة أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء آخر شاهدته في حياتي».

وفي مصر نظم رحلة إلى إقليم الصعيد للتعرف على بعض الآثار هناك، ودوّن في هذه الرحلة عادات أهل النوبة ومعلومات عن معبد أبو سمبل الذي كان مدفوناً في الرمل، لذلك يعتبر أول أوروبي يشاهد هذا المعبد قبل أن يكتشفه الرحالة الإيطالي بلزوني بالكامل بعد أكثر من 30 سنة. وفي الفترة ما بين عامي 1812 – 1815 أنجز بوركهارت رحلته في بلاد العرب، وفي نهاية مطاف الرحلة عاد إلى مصر مرة أخرى، واستقر بالقاهرة حتى وافته المنية، ودفن في مدافن باب النصر بشرق القاهرة، وكُتب على قبره هذا قبر الشيخ إبراهيم المهدي بن عبدالله، ولادته في 10 محرم 1199هـ، وتاريخ وفاته – رحمه الله – بمصر المحروسة في 16 ذي الحجة سنة 1232هـ.)

 التشبه بالعرب

وكان بوركهارت على مدى سنوات إقامته في الدول العربية والإسلامية يحرص على التشبه بالعرب في مظاهرهم، حيث كان يرتدي أكثر الأزياء شعبية كفلاح أو تاجر عربي صغير، وذلك بجلباب قطني أزرق تحته قميص خشن وسروال أبيض فضفاض، وعمامة شعبية من الشاش..

وكانت له لحية سوداء كثة.. ولم يكن يرتدي جورباً وإنما اكتفى بالنعال المحلية.. فبدأ تماماً كواحد من عرب الشمال..

مؤلفات بوركهارت

وقبل رحيله كان بوركهارت قد ألف مؤلفات كثيرة، منها «الرحلة إلى بلاد الشام»، وطبع في لندن سنة 1814م، و«رحلة إلى الجزيرة العربية»، «وسجلات أسفار في الشرق الأدنى»، و«الاتصال بالبدو الوهابيين»، و«الرحلات النوبية»، ووقف ما كان لديه من مخطوطات على مكتبة جامعة كامبريدج، وكان بعض مخطوطاته لدى ابن أخيه جاكوب بوركهارت رئيس قسم العلاقات الدولية في وزارة الخارجية السويسرية سابقاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى