د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب:الفلسفة كفن للحياة .. خطوات بسيطة لحياة هادئة وسعيدة
كم مرة شعرت بالضغط من العمل أو العلاقات أو التفكير المستمر في المستقبل؟ هذا المقال يقدم لك أدوات عملية لتحويل هذه الضغوط إلى هدوء وسعادة.
فن الحياة: كيف تعيش حياة جديرة بأن تُعاش؟
الحياة غالبًا ما تبدو مليئة بالضغوط والآلام اليومية، من الالتزامات والعمل إلى العلاقات والقلق الداخلي. لكن الفلاسفة القدماء يعلموننا شيئًا بسيطًا وعميقًا: السعادة ليست في العالم الخارجي، بل في الطريقة التي نعيش بها، وننظم بها رغباتنا، ونفهم بها أنفسنا.
1- طهّر نفسك لتجد السعادة
قال سقراط قديمًا: «اعرف نفسك». هذه دعوة لتأمل الذات ومواجهة مشاعرك ومخاوفك اليومية. ليس المقصود مجرد التفكير العقلي، بل الانتباه لما يزعجك أو يفرحك ومحاولة فهم دوافعك.
التدريب الفلسفي العملي:
عوّد نفسك قبل النوم على تخصيص خمس دقائق تسأل فيها نفسك: ما الذي أزعجني اليوم؟ لماذا شعرت بالغضب أو الحزن؟ ثم فكّر: هل هناك ما أستطيع تغييره في نفسي بدلًا من العالم من حولي؟
وأحيانًا يكون من حقك أن تُبعد عن حياتك من يسبب لك معاناة مستمرة. هذا هو الدرس الفلسفي الثمين: التكيف يعني توجيه طاقتك نحو ما يمكنك تغييره، والاستفادة من الظروف بدل محاربتها بلا جدوى.
2- تصالح مع ذاتك
علّمنا أبيقور أن المعاناة النفسية غالبًا ما تنشأ من رغباتنا المفرطة. عندما نريد كل شيء أو نطالب العالم بأن يكون مثاليًا، نصطدم بخيبة أمل دائمة. الفلسفة تعلمنا أن نصغي لما نملك ونقدّر ما هو ممكن.
التدريب الفلسفي العملي:
بدلًا من الغضب لأن أحد الزملاء لم يتصرف كما تتوقع، ركّز على قدرتك على التحكم في رد فعلك. حتى لو لم يتغير سلوكه، يمكنك الحفاظ على هدوئك الداخلي.
3- قلّل الرغبات… تزد راحة البال
علّمنا الرواقيون أن راحة البال تأتي من تقليل التعلق بالماديات والمطالب المستمرة. الرغبات المفرطة تستهلك الطاقة، بينما القناعة تمنحك هدوءًا نفسيًا ووضوحًا. فمرحبًا بالهدوء والسكينة التي ترمم القلب.
التدريب الفلسفي العملي:
جرّب تأجيل رغبة صغيرة كنت تريدها بشدة إلى يوم آخر. لاحظ شعورك؛ ستجد أن السعادة لا تختفي، بل تصبح أعمق وأكثر ثباتًا.
4- الألم سيمر… فاعتبره معلّمًا
كل ألم يمر، سواء كان جسديًا أو نفسيًا. اتفق الرواقيون وديكارت على أن الأحداث نفسها ليست مصدر المعاناة، بل طريقة تفكيرنا فيها. يمكن للألم أن يكون فرصة لتعلّم الصبر وفهم الذات.
التدريب الفلسفي العملي:
عند مواجهة موقف محبط، اكتب لنفسك: «هذا شعور عابر، وسأتعلم منه شيئًا». ستلاحظ كيف يخف التوتر بمجرد إدراك أن الألم مؤقت.
5- التكيف مع العالم… لا محاربته
نصحنا ديكارت بتغيير رغباتنا بدل محاولة تغيير العالم بأسره. حين تتقبل الواقع كما هو وتتعاون معه بدل مقاومته بلا جدوى، تصبح أكثر حرية نفسيًا.
التدريب الفلسفي العملي:
لكل أمر خارج عن سيطرتك، اسأل نفسك: «هل يمكن أن أغيّر الطريقة التي أراه بها؟»
6- استثمر إمكاناتك كعلاج فلسفي
تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش عندما تستثمر إمكاناتك وتوجّه قدراتك: تعلم مهارة جديدة، مساعدة الآخرين، زيارة مريض، أو تقديم دعم لمحتاج. هذه النشاطات ليست مجرد واجبات، بل وسائل لتهدئة النفس والشعور بالإنجاز والرضا الداخلي.
هذا نوع من العلاج الذاتي — تستخدم قدراتك لإشباع نفسك دون انتظار العالم الخارجي ليمنحك السعادة. وكثيرًا ما أؤكد:”لا تنتظر من الآخرين أن يداووا جروحك؛ كن أنت طبيب نفسك”
7- استعن بالله لتحافظ على سلامتك الروحية
في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نشعر بالاضطراب أو الانجراف وراء القلق والشهوات، وكأننا على سفينة في بحر متلاطم الأمواج. هنا تأتي أهمية الإيمان بالله كمرشد يحفظك ويوجه خطواتك. هذا الإيمان لا يمنح راحة مؤقتة فحسب، بل يزرع في داخلك شعورًا بالأمان والطمأنينة.
يرى ابن سينا أن النفس تبحث عن السعادة، لكنها لا تجدها إلا بالاقتراب من الله وفهم الكمال الأعلى. ويشبّه الغزالي الإنسان بسفينة في البحر، مؤكدًا أن الرجوع إلى الله يحمي النفس من الوساوس ويعيد لها هدوءها. كما يؤكد ابن رشد أن الثبات الروحي يتعزز بالثقة بالله.
وبناءً على ذلك، ندرك أن الفلسفة ليست نصوصًا معقدة نقرأها فحسب، بل فن نعيشه يوميًا. إنها طريق لتهذيب النفس، والتصالح مع الذات، وتقليل الرغبات، واستثمار الإمكانات، والتكيف مع العالم، والاستعانة بالله كمرشد روحي.
حين تجمع هذه العناصر، تصنع حياة جديرة بأن تُعاش — حياة تتنفس راحة البال، وتزدهر بالسعادة، ويقيم فيها سلام داخلي لا يزول. الفلسفة هنا ليست مجرد معرفة، بل نور يضيء دروبك، ويذكّرك بأن الحياة — مهما اشتدت — تستحق أن تعيشها بوعي، وحب، وطمأنينة.
اقرأ أيضا
د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: كيف يجعل الفقد الحياة أعمق وزنًا .. روشتة فلسفية للعيش بعد الخسارة




