الإعلامي حمدي رزق يكتب: الوصايا الرئاسية العشر لحكومة مدبولى الثالثة
-التكليف الرئاسى يعنى توفير «حياة كريمة» للمجموع الشعبى وهذا من أبجديات الأمن المجتمعى
-بناء الإنسان يعنى التركيز على صناعة الذات والتعليم والأخلاق والإرادة القوية
-ليس هناك وزير فوق المحاسبة والحقيبة الوزارية لم تعد للزينة والافتخار
-تكليف النائب «عيسى» بقيادة المجموعة الاقتصادية يتضمن تناغمًا فى الأداء
-توجيه واضح لاستنهاض القطاع الخاص والإسهام الإيجابى فى العملية الإنتاجية
-بنوك الأفكار نقلة مبدعة فى ترجمة الأفكار الوطنية
-قبة معلوماتية تحمى الوعى المجتمعى من قصف المسيرات الإلكترونية بما تحمله من أكاذيب
-الحاجة ملحة لمجالس شعبية وغرف برلمانية تراقب وتشارك فى رسم الأولويات
-خطاب إعلامى مستنير يشكل وعيًا جمعيًا فى مواجهة التحديات والشائعات
-مصر وطن كبير يتسع لقول «لا».. و«لا» الوطنية تشحذ قول «نعم» الوطنية
لعالمة نوبل الفيزيائية الفرنسية الشهيرة مارى كورى مقولة عميقة تقول: «أنا لا أرى أبدًا ما تم إنجازه، بل أرى ما لم يتم إنجازه بعد».
الأهم من أسماء التشكيل الوزارى الأخير، محاور التكليف الرئاسى لحكومة الدكتور مصطفى مدبولى، تقديرى أن التكليف الوزارى صدر على شرط التكليف الرئاسى، محكوم بتحقيق مقاصد التكليف الرئاسى، وهى من المقاصد الوطنية العليا.
التكليف الرئاسى الصادر للدكتور مدبولى عند تشكيل الحكومة بالقرار الجمهورى رقم (258/2024) سابقة رئاسية، الذاكرة لا تحفظ مثل هذا التكليف الرئاسى مصاحبًا للتشكيل الوزارى، أقرب للوصايا العشر، مجموعة من المبادئ الأساسية الحاكمة للتكليف الوزارى، خارطة طريق محددة المعالم تقود الحكومة إلى ما نصبو إليه.
وترجمته ليس تكليفًا وزاريًا على بياض، لم يتحصل الدكتور مصطفى مدبولى على صك التكليف للمرة الثالثة خلوًا من تكليف رئاسى، وعليه ووزرائه أن يفيَا بواجبات التكليف، وترجمتها أجندة أعمال وزارية شاقة.
حكومة مدبولى الثالثة، ليست لديها رفاهية تمتعت بها حكومات سبقت، لديها أجندة أعمال رئاسية شاقة عليها أن ترسم مخطط تنفيذها بتوقيتات معلومة، وفق دراسات جدوى وزارية تتضمن المستهدفات وسبل تحقيقها.
التكليف الرئاسى يتضمن خطوطًا عريضة، إجمالًا يتطلب تفصيلًا فى خطة وزارية محكمة ستُعرض لاحقًا على البرلمان لتنال الثقة فى إمكان التنفيذ الأمين.
رأس التكليف وذروة سنامه (الأمن القومي)، والأمن القومى لم يعد وقفًا على الجهات السيادية التى تقوم بواجبها الوطنى خير قيام، واستنقذت الوطن من مهالك وعواصف عصفت بدول الجوار فمزقتها تمزيقًا، لم تعد هناك خيمة منصوبة فى وجه رياح الخريف العربى سوى الخيمة المصرية وفوقها العلم بألوانه الثلاثة ونسر صلاح الدين الذهبى فى القلب متحديًا.
الأمن القومى اتسعت مفاهيمه، وكما جاء فى التكليف الرئاسى، من موجبات الأمن القومى مضاعفة الإنتاج، وتأمين الطاقة، ما يترجم موجبات التنمية الاقتصادية، وفى القلب منها فتح المجال التنموى لشراكة مقدرة مع القطاع الخاص، وبين أسماء الوزراء الجدد من يستبطن فقه القطاع الخاص ودوره فى إحداث التنمية الاقتصادية المنشودة.
التكليف الرئاسى يعنى بتوفير «حياة كريمة» للمجموع الشعبى، وهذا من أبجديات الأمن المجتمعى الذى يصب فى موجبات الأمن القومى، وكما جاء فى التكليف الرئاسى (حاجات المجتمع وموجبات بناء الإنسان)، وحاجات المجتمع لا تنتهى، وعلى الحكومة أن تنهض بتوفير الحاجات المجتمعية على أكمل وجه، لا يبيت فيها جائع.
والتوصية الرئاسية واجبة ببناء الإنسان صحيًا ومعرفيًا، عبر توفير مظلة تعليمية، وصحية، ومعرفية، وبناء الإنسان مواكب للبنيان، وقد استوفى البنيان كماله، ومن أولويات الحكومة الجديدة بناء الإنسان، ويترجمه الذكاء الاصطناعى، بناء الإنسان هو الاستثمار الأسمى والركيزة الأساسية لنهضة الأمم، حيث لا يكتمل بناء الأوطان إلا بتطوير المواطن علميًا وأخلاقيًا.
بناء الإنسان يعنى التركيز على صناعة الذات، التعليم، الأخلاق، والإرادة القوية، كونه «ثروة دائمة العطاء»، جوهر التخطيط يكمن فى إيجاد صيغ عملية لجعل أنشطتنا اليومية تسهم فى بناء الصورة التى نرغب فيها، مصر قد الدنيا.
وهنا يتوقف التكليف الرئاسى بوصية واجبة، الارتقاء المستدام بمنظومة التعليم من كافة جوانبها، وزيادة الاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج لهم، ومستوجب المضى قدمًا فى تنفيذ استراتيجية التأمين الصحى فى مراحلها المتتابعة، وتسريع وتيرة الإنجاز فى هذا الملف الذى يشكل مع تطوير التعليم ثنائية بناء الإنسان وفق فقه الأولويات الوطنية.
التكليف الرئاسى فى التفصيل، يتطلب وضع خطة لكل وزارة تتضمن المستهدفات والإجراءات ومدة التنفيذ وتدبير التمويل اللازم، ومؤشرات قياس الأداء، والجدوى الاقتصادية، وستكون الأعمال الوزارية محلًا للمتابعة والتقييم بصفة مستمرة.
هنا مربط الفرس، حمل الحقيبة الوزارية ليس تشريفًا ولكن تكليف بخطة تحدد المستهدفات، وتربطها بتوقيتات، وكلفة مقدرة، تختبر تنفيذًا، وتستبصر النتائج، وتضع time table تترجم جدولًا زمنيًا قابلًا للمتابعة والقياس، فلم يعد لدينا رفاهية العمل بدون هدف محدد، كما أن ترشيد الإنفاق الحكومى يحكم التصرفات الوزارية، ويكبح الهدر المالى فى ظل تقشف قاسٍ تنتهجه الحكومة.
ما يشى به هذا البند من التكليف الرئاسى أن الأعمال الوزارية تحت الرقابة اللصيقة لقياس جديتها وجدواها، ومؤشرات قياس الأداء دالة، وستكون محلًا للمتابعة والتقييم بصفة مستمرة، والتغيير فى حالة الإخفاق وارد، وليس هناك وزير فوق المحاسبة، الحقيبة الوزارية لم تعد للزينة والافتخار، بل جملة أعمال وزارية شاقة، من يحتمل تبعاتها سيكون مشكورًا.
يحتل الاقتصاد أولوية أولى فى التكليف الرئاسى، وتوجيه المجموعة الاقتصادية بتحسين الوضع الاقتصادى باستمرار من خلال قيام (نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية) بالمشاركة فى وضع الخطط المستقبلية والتنسيق بين أعضائها وتحقيق الانسجام بين مهامهم ومتابعة الأداء، سيما وقد قاربت مدة برنامج صندوق النقد الدولى على الانتهاء آخر هذا العام، والحاجة ماسة لبرنامج اقتصادى وطنى تتوافر عليه المجموعة الاقتصادية التى يقودها نائب لرئيس الوزراء بلا حقيبة، متفرغ لما هو أهم، نحو تخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة (من خارج الصندوق) يجب أن تُدرس بعناية فائقة من حيث سلامة إجراءاتها وإيجابية آثارها على المديين القريب والبعيد.
استحداث منصب «نائب لرئيس الوزراء» وتكليف قامة اقتصادية رفيعة «الدكتور حسين عيسى» وسابقة خبراته تشى بكفاءته، من الملامح اللافتة فى التشكيلة الوزارية، وهو منصب ليس شرفيًا كما ذهب البعض، لكنه تكليف بمهمة رئاسية فى عصب الاقتصاد الوطني.
تكليف النائب «عيسى» بقيادة المجموعة الاقتصادية يتضمن تناغمًا فى الأداء، وتوليد الأفكار، وقياس درجات الأداء، ومتابعة تنفيذ البرامج الاقتصادية المتفق عليها وصولًا لتحقيق أفضل النتائج فى ملف يمثل الأولوية الأولى لحكومة مدبولى الثالثة.
صحيح برنامج صندوق النقد شارف على الانتهاء، ولكن ما اعتمدته الحكومة من سياسات اقتصادية مستوجب الإمساك بتلابيبها، وفى مقدمته استدامة تنفيذ سياسة «ملكية الدولة» بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص فى المجال الاقتصادي.
يلمع فى الأفق المنظور للتكليف الرئاسى دور القطاع الخاص الذى يحتل فقرة لافتة فى خطاب التكليف، والرئيس عبدالفتاح السيسى، وكل الحادبين على المصالح العليا لهذا الوطن، يمنّون أنفسهم بنهضة القطاع الخاص الوطنى، وتخارجه من كبوته التى كبحت نموه، فأقعدته عن الإسهام فى تفكيك الأزمة الاقتصادية التى تمسك برقبة الوطن «مرحلة عنق الزجاجة».
تكليف رئاسى بتوجيه واضح، بإتاحة الفرصة كاملة للقطاع الخاص، وحفزه بالتسهيلات الموجبة، فلينفر القطاع الخاص من فوره للإسهام الإيجابى فى العملية الإنتاجية، ويقتحم المجالات التى توافرت الدولة على تهيئتها بكلفة مليارية، الأرض باتت صالحة للإنبات، ازرعوها مصانع، استثمر، اكسب، افتح بيوتًا، كن لنا ولا تكن عبئًا علينا، الشكوى فى غير محلها لن تبنى مصانع ولن تستزرع مزارع!!
لماذا حديث القطاع الخاص فى خطاب التكليف الرئاسي؟
لأن الطريق باتت ممهدة، والدعوة صادقة، فلا مجال للشك والتشكيك، والتقاعس عن أداء الواجب الوطنى، حكمة التكليف، شراكة معتبرة ومقدرة، على طريقة الكل فى واحد، واحد صحيح، فى حب الوطن يستحق الجود بكل غالٍ ونفيس.
والتكليف يحمل توجيهًا للحكومة بولوج مجالات جديدة لدعم الاقتصاد، خاصة فى مجالات التقنية والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها، وتشجيع الابتكارات وتمويل أبحاثها وتطبيقاتها.
البحوث التطبيقية مهمة مراكز البحوث فى المعاهد والجامعات، وهنا يلفتنا التكليف الرئاسى إلى نفرة الحكومة لتشجيع الابتكار، وتمويل الأبحاث، ورعاية المخترعين فى صوبات بحثية، بعيدًا عن الأقنية البيروقراطية التى أصابت الابتكار بالعقم، وأعجزت الباحثين عن ولوج الطريق سالكة نحو إنجاز أبحاثهم، ومعالجة الهدر فى الأفكار، وهنا يجوز أن نذكر بما يسمى اصطلاحًا «بنوك الأفكار» التى تحتضن الأفكار، وترعاها، وتجليها، وتتوافر على تنفيذها، وإتاحة التمويلات اللازمة لنقلة مبدعة فى ترجمة الأفكار الوطنية، كقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
لم يهمل التكليف الرئاسى واحدة من أساسيات الأمن القومى ومقصدها «معركة الوعى»، مجتمع يعرف حقوقه وواجباته، وديناميات الحراك المجتمعى على قواعد حاكمة، فى مقدمتها إعلاء قيم المواطنة والمساواة والتسامح، وعدم التمييز على الجنس أو الدين، وتشجيع المشاركة المجتمعية فى الشأن العام بإجراءات شفافة تشرك المواطن فى شئون الوطن، وتلبى طموح المواطنين، والمشاركة المجتمعية حق مستحق لكل مواطن.
مضى زمن تجاهل الشارع، وغض الطرف عن شواغله، ومستوجب تلبية حاجته الأساسية فى المعلومات بشفافية كاملة، والإنصات بأذن واعية لشكاوى المصرى الفصيح، والوقوف على الأفكار السائدة، وتعلية النافع منها، ومحاربة الآفات المعلوماتية الضارة، وتشكيل قبة معلوماتية حصينة تحمى الوعى المجتمعى من قصف المسيرات الإلكترونية المعادية بما تحمله من فخاخ أكاذيب ممنهجة تنتهج أساليب التزييف العميق لحرف بوصلة الشارع المصرى عن مقاصده الوطنية العليا.
اتصالًا بالتوجيه الرئاسى، ما يتصل باستكمال الاستحقاق الدستورى الخاص بالمجالس المحلية لتحقيق المشاركة الشعبية فى مراقبة الأداء البيروقراطى فى وحدات الإدارة المحلية، وضبط الأداء الوظيفى، وفى هذا تلبية لمطلب جماهيرى سياسى، واستحقاق دستورى تأخر طويلًا لأسباب، وقد زالت الأسباب إلى غير رجعة، وصارت الحاجة ملحة لمجالس شعبية أقرب إلى برلمانات مصغرة، غرف برلمانية تراقب وتحاسب وتشارك فى رسم أولويات المحليات، وتكبح الهدر فى صناديق المحليات، وتحسن استخدام التدفقات المالية لتحسين جودة الحياة.
تحليل مضمون الخطاب الرئاسى فى سنوات مضت فيه إشارات لا تخفى على لبيب، واللبيب من الإشارة يفهم، إشارات تترجمها تصريحات رئاسية بالحاجة الوطنية لإعلام وطنى واعٍ يلبى الطموحات الوطنية ويترجم أفكار الجمهورية الجديدة فى حقائق يقينية تدعمها معلومات حقيقية.
تكليف الرئيس لحكومة الدكتور مدبولى إيلاء أهمية قصوى بالرأى العام وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق من خلال إعلام وطنى قادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع المصرى، عبر خطاب إعلامى مستنير مهنى مسؤول، يشكل وعيًا جمعيًا أمام ما نواجهه من تحديات وما يُنشر من شائعات، ويعزز من ثقافة الحوار البناء، وتنمية القدرة على التفكير السليم، واحترام آراء الآخرين وتنزيلها منزلها الصحيح من جملة الإعراب الوطني.
توجيه القيادة السياسية بإعمال قاعدة «الرأى والرأى الآخر»، «كما فهمته»، مصر وطن كبير يتسع لقول «لا»، و«لا» الوطنية تشحذ قول «نعم» الوطنية، تسندها، تدعمها، ترفعها، تعلو بها، تسمو بها فوق الثأرات التاريخية والحزازات المرحلية.
لا تستقيم «نعم» بدون استصحاب «لا»، و«لا» ليست رجسًا من عمل الشيطان، بل واجب وطنى مستوجب يستبطنه المعارض الشريف، ويعبر عنه بفخر واعتزاز بمصريته، التى مكنته من قول «لا» فى وجه من قالوا «نعم».
والخطاب هنا للحكومة مستوجب كامل الاعتبار للرأى الآخر، ليت هذه الوصية الطيبة تسرى بين وزراء الحكومة الجديدة، فلا يضيقون ذرعًا بالنقد الواجب، ويردون الرد المستوجب، فى سياق علاقة صحية تضع مصالح الوطن العليا أمام الأعين.
أيًا كان حجم «لا» هى ضرورة ليختمر الأمل فى فجر هذا الوطن، وأيًا كان حجم «نعم» هى ضرورة وطنية لدعم استقرار وطن يذهب إلى المستقبل على أرضية حوارية بين رؤى تختلف فى التفاصيل، ولكنها تيمم وجهها، ترنو نحو العلم والنشيد.
من قالوا «لا»، ينشدون: بلادى بلادى بلادى، ومن قالوا «نعم» ينشدون: ولك حبى وفؤادى، يجتمعان فى الأخير على ناصية الوطن الرحيبة، مخلصين لأغلى الحروف جميعًا، يجتمعون أحباء على أغلى اسم فى الوجود.
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: الشماتة ليست من شيم السادة!!




