د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: كيف يجعل الفقد الحياة أعمق وزنًا .. روشتة فلسفية للعيش بعد الخسارة
هناك لحظات يتوقف فيها العالم فجأة، ويشعر الإنسان أن الزمن فقد رشده. الفقد يطرق القلب بعنف وبقوة وبدون سابق إنذار احيانًا، ويتركك تتساءل: لماذا؟ كيف أستمر دون أن أنهار وانكسر؟ في هذه اللحظات المؤلمة، لا يبحث الإنسان عن تعريف الموت أو الفقد، بل عن طريقة للوقوف في وسط الألم. هنا تصبح الفلسفة ليست رفاهية فكرية، بل عكازًا فلسفيا تستند عليه حينما ينهار العالم من حولك. وتخونك قدرتك على التحمل وجع الفقد.
ألم الفقد ليس مجرد حزن. إنه زلزال داخلي يعيد ترتيب كل شيء: ذكرياتك، علاقاتك، طريقة رؤيتك للزمن، وحتى معنى وجودك. كثيرون يحاولون الهرب، لكن الهروب نفسه يضاعف الصراع والمعاناة والألم, المعركة الحقيقية ليست ضد الموت أو الفقد، بل ضد الاضطراب الداخلي الذي يخلق معاناة مضاعفة.
تعلمت من الرواقيون أن ما فقدناه خارج سيطرتنا، وأن الحرية الحقيقية في موقفنا منه. ماركوس أوريليوس وإبيكتيتوس لم ينكروا الألم، بل علمونا أن نقول لأنفسنا:
“هذا حدث لا أستطيع تغييره. ..ما أستطيع فعله هو كيف أستقبله.”
ويرى ابن سينا أن الألم يتضاعف حين يخلط العقل الواقع بالتفسيرات المتخيلة. بعد الفقد تتزاحم الأفكار: لماذا؟ ماذا لو؟ هل كان يمكن أن يكون مختلفًا لو عملنا كذا أو كذا؟
التمرين الفلسفي هنا أن نسأل: “أي جزء من هذا ألم حقيقي؟ وأي جزء مجرد بناء عقلي؟”
الوضوح هذا يمنح العقل فرصة لتخفيف ثقل الألم الذي نعاني منه, ويكشف أيضًا عن هشاشتنا وحاجتنا للمعنى.
ويعلمنا الغزالي أن الألم يمكن أن يتحول من عقاب إلى معلم للصبر، للرحمة، وللتواضع. الفقد يكشف تعلقاتنا ويتيح لنا فرصة للنمو الداخلي: ماذا يمكن أن يولد في قلبي بسبب هذا الفقد؟
ويقدم هايدجر منظورًا وجوديًا صارمًا: الموت والافتقاد مرآة تكشف هشاشتنا وصدقنا. الوعي بأن الحياة محدودة يوقظ الأصالة، ويجعل كل اختيار أكثر صدقًا، وكل لحظة أثقل وزنًا.
حين ندرك أن الزمن محدود وغير قابل للاسترجاع، تتغير أولوياتنا، وتصبح الاختيارات أكثر صراحة مع الذات. الحياة تصبح مساحة للصدق، لا مجرد تكرار للتوقعات الاجتماعية. يتراجع الخوف من نظرة الآخرين، وتتضح القيم الحقيقية
المفارقة ان الوعي بالموت لا يجعل الحياة قاتمة بل اكثر كثافة. محدودية الزمن تضفي على كل فعل وزنا خاصا كما لو ان ضيق مساحة اللوحة يجعل كل ضربة فرشاة ذات معنى. لو كانت الحياة بلا نهاية لفقدت الكثير من إلحاحها، ولتبدد الشعور بقيمتها.
وترجمة هذه الرؤية الى ممارسة يومية لا تتطلب قلقا مستمرا، بل لحظة تأمل هادئة يسأل فيها الانسان نفسه: هل هذا ما اريد ان امنحه جزءا من حياتي المحدودة. السؤال ليس اداة ضغط بل بوصلة تعيد توجيه الانتباه الى قيمة الوقت. هكذا يصبح الوعي بالموت قوة تذكير مستمرة بان الحياة ليست شيئا فائضا بل فرصة ثمينة.
روشتة يومية للتعامل مع الفقد
علينا أن نقبل مشاعرنا كما هي، وأن ندرك أن البكاء والغضب طبيعيان.
علينا أن نسأل أنفسنا بهدوء: “لو كان وقتي محدودًا، ما الذي يستحق اهتمامي الآن؟” اشياء كثيرة كانت تبدو براقة تفقد سحرها حين توضع في ميزان الزمن المحدود. تتراجع التفاهات ويبرز ما له ثقل حقيقي مثل العلاقات العميقة، والمعنى الشخصي، والاثر الذي يتركه الانسان وراءه. الموت هنا ليس نهاية — بل مرآة للحياة ذاتها.
إذا استطعنا كتابة حجم الألم دون تزيين، فقط لتفريغ ما يختلط بالعقل والقلب, فنحن نعي قيمة الالم بحق ودوره حينئذ فنحن نعي حقا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون
علينا تحويل الألم إلى فعل, مثل القرب من الله , صلة بالآخرين، الدعاء الصادق للمتوفي وعمل خير صغير وصدقة له، أو رسالة حب وشهاده في حقه وان ندعو له بالرحمة ، لتستمر الحياة رغم الفقد.وهنا فقط يصبح الحزن والألم طاقة حب.
احزن، افهم، عِش بصدق، واترك للفقد أن يعلمك كيف تكون حيًا.
الفقد هنا ليس مجرد نهاية، بل مرآة تكشف عمق حياتنا، وتجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا، ونقدر قيمة الزمن المحدود. الفلسفة تصبح إذن أداة للعيش بوعي وصدق، تجعل الألم معلمًا، وتجعل كل لحظة أثقل وزنًا، وأكثر جدوى.
هنا لا تصبح الفلسفة هروبا من الألم، بل محاولة لمنحه معنى، أو على الأقل مساحة يمكن العيش داخلها.
اقرأ أيضا
د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: حين يصمت القانون الدولي وتصرخ الأخلاق الإنسانية



