د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم »: رُشد القيادة وتفكيك «المعادلة» فى الشرق الأوسط..!!
على مدى السنوات القليلة الأخيرة نجحت القيادة المصرية برشادتها على نحو هادىء وبلا تهور فى تفكيك معادلة الشرق الأوسط التى حكمت الإقليم لنحو عشرين عاماً ، ليتغير بتلك الرشادة نهج ولهجة وتعامل الآخرين مع مصر ، ويتضح للجميع مَنْ يدير اللُعبة ومَنْ يكتفى بإشعال الحرائق فى الخفاء وتتبدل أدوار الفُعلاء ..وما شهدته الزيارة التركية الأخيرة خير دليلعلى ذلك ..
فلم نكد ننتهى من سماع إعتراف رئيس أكبر قوة فى العالم بمؤتمر دافوس وقبلها فى شرم الشيخ بصحة نهج مصر وثبات موقفها تجاه قضايا المنطقة وفضلها فى وقف حرب غزة، بما أفضى إلى فضح العربدة الإسرائيلية، حتى تواتر إعتراف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان من داخل أروقة قصر الإتحادية بالقاهرة بأنه لولا مصر ما توقفت حرب غزة وما دخلت المساعدات للفسطينيين وما فشل التهجير القسرىوما تراجعت أمريكا والغرب وما إرتدعت إسرائيل عن تصفية القضية وتقتيل أهل القطاع المنكوب ..
فعلى غير ماكان سابقاً ، إعترف أردوغان بدور القيادة المصرية فى إنقاذ الفلسطينيين ووقف تصفية قضيتهم وإفشال تهجيرهم، ليتحول الرجل من مناهض عنيد لمصر وقيادتها ومناصرته لأكاذيب الجماعة الإرهابية وإفتراءاتها، إلى ساعٍ حريص على مخاطبة وُد هذه القيادة الرشيدة وتبنى نهجها وتأييد سياستها والتحالف معها سياسياًوإقتصادياً وأمنياً ، ليثبت لنفسه وللآخرين أن مصر هى مَنْ ترسم الخطوط الحمراء فى الإقليم والقادرة على تنفيذها والحفاظ عليها ، سواء تعلق الأمر بغزة أو السودان أو ليبيا أو أياً ما يهدد الأمن القومى المصرى ..
وإزاءالتكالب الصهيونى على منطقة القرن الأفريقى والبحر الأحمر ، ومحاولاتهم النفخ لإشعال المنطقة بحرب مع إيران ، يأتى التنسيق المصرى التركى الذى أثار قلق وحفيظة الإسرائيليين الذين راحوا يصرخون ويولولون من تعاظم القوة المصرية التى تواصل إفساد مخططاتهم العدوانية تجاه الشعوب الآمنة كدأبهم دائماً ، لاسيما وأن التعاون الإستخباراتى بين القاهرة وأنقرة قد أسفر لتوه عن نجاح السلطات التركية فى تفكيك شبكة تجسس إسرئيلية فى تركيا ..
والحقيقة ، إننا نجد أنفسنا الآن فى نهاية مرحلة دامت لنحو عقدين من التلاعب الصهيونى الغربى بدول الإقليم وشعوبها ، وإحتكارهم لقرار مصائرها ، والإتجاه لبدء مرحلة جديدة يتهشم فيها هذا الإحتكار وينكسر وتتفككفيها تلك المعادلة ، الأمر الذى دفع الإسرائيليون والمتعاونون معهم إلى البحث عن أدوار خبيثة أخرى على أطراف الإقليم لتعطيل هذا التكاتف المصرى السعودى التركى وتعكير صفوه باللعب على إنفصال الصومال بعد أن تكشفت فضيحتهم بالتطواطؤ مع رئيس الوزراء الأثيوبى ضد مصر فى بناء “سد الخراب الأثيوبى”..
ويبدو أن ما يجرى ونشهده اليوم ليس تصعيداً فقط حول إيران وليس بالمعنى التقليدى مفاوضات نووية بقدر ما نحن الآن أمام تفكيك عميق فى معادلة الشرق الأوسط التى حكمت طويلاً لتتغير المواقع وتتبدل الأدوار ، غير أن مصر جاهزة دائما لمختلف السيناريوهات بالرد الهادىء وبالقوة الرشيدة ..
لتؤكد مصر برشادتها ، أن الملف الذى يُدار بهدوء وإصرار وحزم يُغلق ، وأن الملفات التى تُدار بالفوضى فمصيرها الإحتراق والأشتعال ومعاناة شعوب المنطقة ولكونها دولةً كبيرة تفعل ولا يُفعل بها …
ولكن ما هو الرُشد ؟؟ .. الرُشد هو البُعد عن الغى والضلال والسفه وسوء التدبير ، وهو حُسن تصريف الأمور والنفع والبلوغ العقلى وإصابة وجه الحقيقة والسداد والسير فى الإتجاه الصحيح ، وإن هيأ اللهلك أسباب الرُشد ، فقد هيأ لك أسباب الوصول إلى النجاح الدنيوى والأخروى ..
وقد وردت لفظة الرُشد فى القرآن فى 19 مرة وبِصِيغٍتتراوح بين (الرُشد ورُشداً والرشاد ويُرشدون ورشيد ومُرشد ) ، ومنها “من يهدِ الله فهو المُهتد ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً”(الكهف:17) ..
ومن حُسن الطالع ، أن حبا الله مصر بقيادات سياسية وطنية “رشيدة”، لاسيما الحالية منها ، جعلتهم يُحَوِلون معاركهم مع المتنمرين المتربصين بمصر وشعبها وترابها ، من معاركٍ للدفاع ، إلى معارك فرض الإرادة الوطنية وإحترام السيادة والأمن القومى ،وما حدث مع الرئيس الأمريكى وفروضاته ونزعاته على مدى العامين الأخيرينخير شاهد ودليل ..
لقد أدرك أصحاب هذه الرشادة القيادية المصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة : إما أن تكون تابعاً تنفذ الأوامر من االقطب الأوحد وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين فى المنطقة الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه وآخر مُحتل أرضه وآخر خاضع لأهواء وإبتزاز الغير ، وما أيسرها ، وإما أن تفرض إرادتك بقوة وتمارس حق سيادتك على أرضك وتستقل بقرارك وتحفظ أمنك القومى وترابك الوطنى ، وما أصعبها ..
فمصر كلمتها ومواقفها ثابتة على مر الزمن لأنها تنبع من مسئوليتها الوطنية والعربية التى لم ولن تتنازل عن حمل همهما والدفاع عنهما مهما طال الزمن، حتى وإن إنحرف الآخرون فى المنطقة عن هذا الرشاد القومى العربى ..
وبالطبع ما كان لهذا الرشاد القيادى المصرى ليتحقق ، وما لهذا الإصطفاف المجتمعى المصرى ليتعزز ، ما لم تكن هناك قوة ردع عسكرية عفية تحمى الوطن وتؤكد إستقلالية قراره ، تلك القوةقد أفسدت نظرية الضربة الإستباقية للعدو الصهيونى كعادته الذميمه مع الجيران الضعفاء والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو لهم بمباركة أمريكية عمياء ..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم »: «الكلمة» بين بناء الأُمم وهدْم القِيَم ..!!




