الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الأسرة المصرية هي الوطن
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، ننسى أحياناً أن الوطن لا يبدأ من الحدود الجغرافية أو المؤسسات الرسمية، بل يبدأ من البيت الصغير الذي نعود إليه كل مساء. الأسرة المصرية هي النواة الأولى التي تُشكّل وجدان الإنسان وتصنع مستقبل الأمة، وهي الحصن الذي يحمي القيم ويرسّخ الهوية في نفوس الأبناء.
منذ فجر التاريخ والأسرة المصرية تحمل على عاتقها مسؤولية بناء الإنسان قبل بناء الجدران. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف نربي أبناءنا في عصر تتصارع فيه القيم وتتعدد فيه المؤثرات؟ الإجابة تكمن في التربية الإيجابية، تلك المنهجية التي تجمع بين الحزم والحب، بين التوجيه والاحترام.
التربية الإيجابية ليست ترفاً فكرياً أو نظرية غربية مستوردة، بل هي جوهر تراثنا التربوي الذي علّمنا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه. إنها تربية تعتمد على فهم احتياجات الطفل النفسية والعاطفية، وتُعامله كإنسان له كرامته وآراؤه، لا كوعاء فارغ نملأه بأوامرنا ونواهينا دون حوار أو تفاهم.
عندما نربي أطفالنا بإيجابية، نحن لا نُنشئ أفراداً ناجحين فحسب، بل نصنع مواطنين واعين يحملون قيم الانتماء والمسؤولية. الطفل الذي يشعر بالأمان في بيته، الذي يُسمع صوته ويُحترم رأيه، هو من سيحمل غداً راية التغيير ويساهم في بناء وطن أقوى وأكثر تماسكاً.
التربية الإيجابية تعني أن نستبدل الصراخ بالحوار، والعقاب بالتوجيه، والتهديد بالتشجيع. تعني أن نكون قدوة قبل أن نكون آمرين، وأن نزرع الثقة في نفوس أبنائنا بدلاً من الخوف. هي تربية تُخرج أفضل ما في الطفل وتنمّي قدراته، لا تربية تكسر روحه وتُحطّم شخصيته.
والأسرة المصرية اليوم أحوج ما تكون لهذا النهج، فالتحديات التي تواجهها كبيرة: الضغوط الاقتصادية، الانفتاح الإعلامي غير المحدود، التكنولوجيا التي اقتحمت كل بيت، وضعف التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة. في ظل كل هذا، تبقى التربية الإيجابية هي البوصلة التي ترشدنا نحو بناء جيل متوازن قادر على مواجهة الحياة بثقة ووعي.
دعونا نتذكر أن كل طفل نربيه اليوم هو لبنة في بناء الغد، وأن الأسرة التي تسودها المحبة والاحترام المتبادل هي التي تُخرّج قادة ومبدعين، لا أتباعاً ومقلّدين. الأسرة المصرية هي الوطن الأول، وحين نُصلح البيوت، نُصلح المجتمع بأسره.
فلنجعل من بيوتنا واحات أمان ومدارس للقيم، ولنربِّ أبناءنا على الحب لا على الخوف، على الحوار لا على الفرض، على الثقة لا على الشك. هذا هو الطريق لبناء وطن قوي يبدأ من داخل كل بيت مصري.
والله الموفق
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: من يوم عادي إلى يوم حافل




