كتب- عمر أبو الحسن
أعاد الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي ،والتركي رجب طيب أردوغان، في القاهرة، إطلاق عملية تطبيع وتفعيل العلاقات بين االقاهرة وأنقرة، مؤكدين التزامهما بتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتنسيق الأمني.
يأتي هذا التقارب في سياق إقليمي يتسم بضغوط جيوسياسية جديدة، في ظل توترات مرتبطة بإيران وجهود خفض التصعيد في الشرق الأوسط.
ورحب بيان مشترك صدر اليوم على هامش زيارة أردوغان إلى القاهرة، والتي عُقد خلالها الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، بتوقيع مذكرة تفاهم في مجالات رئيسية كالدفاع والاستثمار والتجارة والزراعة والصحة والشباب والرياضة والحماية الاجتماعية.
وأقر الرئيسان بنمو “ملحوظ” في حجم التجارة الثنائية، التي بلغت نحو 9 مليارات دولار، مؤكدين أن “هذا التقدم يعكس الإرادة السياسية المشتركة للنهوض بالعلاقات نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية”.
ويتمثل الهدف المشترك في زيادة إجمالي حجم التجارة إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028 من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية.
أكد الرئيسان أردوغان والسيسي، في بيان مشترك، على الدور المحوري لبيئة الاستثمار في تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية المستدامة والمتوازنة والمتبادلة المنفعة، وشجعا على زيارات الوفود، وتنظيم المعارض التجارية، وعقد منتديات الاستثمار لتعزيز التعاون التجاري وفرص الاستثمار في كلا البلدين”. واتفق الطرفان على مواصلة تحسين بيئة الاستثمار، وفي هذا السياق، رحبا بإنشاء اللجنة الوطنية لتشجيع ومراقبة الاستثمارات التركية في مصر، بهدف تسهيل إجراءات الاستثمار.
كما أكد الرئيسان على الرغبة في تعزيز التعاون الصناعي والإنتاج المشترك في القطاعات ذات الأولوية، لتعميق الإنتاج المحلي وتسهيل نقل التكنولوجيا وفق شروط متفق عليها؛ وأهمية تشجيع الاستثمار المتبادل والشراكات الصناعية؛ وضرورة تعزيز التعاون في نقل التكنولوجيا والابتكار وبناء القدرات من خلال التدريب والشراكات المؤسسية وتبادل الخبرات؛ والالتزام بتوسيع التعاون في مجال التحول الأخضر، بما في ذلك كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وإدارة النفايات والمشاريع الصناعية منخفضة الكربون.
يلتزم الطرفان بتعزيز التعاون الاقتصادي، مع التركيز على الإصلاحات، والقطاعات عالية الإنتاجية، والبنية التحتية المتطورة، والنمو الذي يقوده القطاع الخاص، مع إدراكهما للإمكانات الكبيرة للتعاون في مجال الابتكار الصناعي. علاوة على ذلك، اتفق أردوغان والسيسي على تعزيز التعاون في قطاعي الكهرباء والطاقة المتجددة بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر 2024، وأكدا على أهمية تنفيذ مذكرة التفاهم بشأن المحروقات والتعدين الموقعة في مايو 2025. وفي هذا الصدد، اتفق الرئيسان على التعاون في استكشاف وتطوير موارد المحروقات والمعادن في مصر، بما في ذلك من خلال شركاتهما ومؤسساتهما العامة، فضلاً عن تبادل الخبرات في الأنشطة الجيولوجية وتقنيات التعدين الحديثة.
إدراكاً للدور الاستراتيجي للطيران المدني كعامل تمكين رئيسي للتعاون الاقتصادي والتجارة والسياحة والاستثمار والتواصل الشعبي بين مصر وتركيا.
أعرب الطرفان عن استعدادهما لمواصلة المشاورات الفنية بين سلطات الطيران المدني المعنية لتحديد حلول عملية تدعم النمو المتوازن والترابط والشراكة طويلة الأمد في قطاع الطيران المدني.
كما تم الاتفاق على إنشاء لجنة فنية مشتركة للتعاون في مجالات الأدوية والأجهزة الطبية وأنظمة الرعاية الصحية والسياحة العلاجية والتأهيل الطبي وتكنولوجيا المعلومات الصحية والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك تبادل الخبرات وأفضل الممارسات.
أكد البيان المشترك مجدداً على التعاون الزراعي باعتباره “ركيزة أساسية للشراكة الاستراتيجية”، لما له من دور في تحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ودعم التجارة الزراعية وفقاً للمعايير الدولية.
وبناءً على ذلك، اتفقت تركيا ومصر على تعزيز التعاون التقني وبناء القدرات في القطاع الزراعي من خلال تبادل الخبراء، وبرامج التدريب المشتركة، وتبادل أفضل الممارسات، مع مواءمة التدابير مع المعايير الدولية ذات الصلة، وتشجيع تبادل المعلومات، والتحول الرقمي، وأنظمة الإنذار المبكر المتعلقة بصحة النبات والحيوان.
بحسب البيان، تتطلع مصر وتركيا إلى توسيع التعاون في مجالات الآثار والمتاحف وعلم الآثار والمتاحف، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، إدراكًا منهما لأهمية السياحة كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. ويتمثل الهدف المشترك في تشجيع التعاون لتحسين تدفقات السياحة والتبادل الثقافي وفرص الاستثمار، مع التأكيد على رغبتهما في تبادل الخبرات في القطاعات الثقافية والإبداعية والتقنيات الرقمية ذات الصلة. وأعرب الطرفان عن رغبتهما المشتركة في مواصلة التعاون الثنائي في مجال التعليم العالي، والتعاون لتبادل الخبرات الناجحة والنماذج المتميزة، واستكشاف فرص جديدة للتعاون المستقبلي، لا سيما في المجالات الأكاديمية ذات الاهتمام المشترك، بهدف دعم النظام الأكاديمي في كلا البلدين.
فيما يتعلق بآخر التطورات في المنطقة، اتفق أردوغان والسيسي على مواصلة التعاون لدعم خفض التصعيد.
أما بخصوص ليبيا، فقد أكدت أنقرة والقاهرة استعدادهما لدعم عملية سياسية ليبية-ليبية، بوساطة الأمم المتحدة، للحفاظ على أمن ليبيا واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها ووحدتها السياسية.
وفيما يخص قطاع غزة، جدد الرئيسان دعمهما للخطة الشاملة التي طرحها الرئيس الأمريكي. دونالد ترامب، لإنهاء الحرب في غزة، دعا الرئيسان أردوغان والسيسي إلى انسحاب إسرائيل الكامل، مؤكدين على مركزية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في تحديد انتقال السلطة الفلسطينية إلى الإصلاحات الضرورية.
وشددا على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وسلامة أراضيها، مؤكدين على ضرورة ضمان وصول مساعدات إنسانية واسعة النطاق إلى غزة بشكل آمن ومستمر ودون عوائق. كما أكدا على ضرورة البدء الفوري بعملية إعادة إعمار شاملة في جميع أنحاء قطاع غزة. وفي هذا الصدد، أعربت مصر وتركيا عن استعدادهما للمساهمة، جنباً إلى جنب مع المجتمع الدولي، في عملية التعافي وإعادة الإعمار على المدى الطويل.
أكد أردوغان والسيسي، في بيانهما المشترك، على ضرورة الشروع في “عملية سياسية تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، على غرار ما حدث في 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية”. وشدد الرئيسان على “قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن الفتاوى والتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، التي تُثبت عدم شرعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، والتزامات الدولة المحتلة باحترام القانون الدولي وتطبيقه”.
وفي هذا الصدد، أعرب الطرفان عن “قلقهما إزاء سياسات إسرائيل وممارساتها الرامية إلى عرقلة أنشطة الأمم المتحدة ووكالة الأونروا”.
فيما يتعلق بالوضع في سوريا، أعرب أردوغان والسيسي عن “التزامهما الراسخ بسيادة البلاد ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها”، مؤكدين على أهمية جهود إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، و”عملية سياسية شاملة وجامعة وتشارك فيها سوريا بأكملها، بمشاركة جميع مكونات المجتمع”. كما شدد الطرفان على ضرورة “مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله ومظاهره”، وضمان ألا تصبح الأراضي السورية “مصدر تهديد لأمن واستقرار الدول المجاورة والمنطقة”.
و أكد الرئيسان “استمرار دعمهما للمؤسسات الوطنية اللبنانية وجهود قيادتها الحالية لترسيخ سلطة الدولة وضمان حصر الأسلحة في يد الدولة، من خلال نهج هادئ وتدريجي وشامل يحافظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي”. وفي هذا الصدد، أكد أردوغان والسيسي دعمهما الثابت للبنان وحكومته وشعبه “في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر وانتهاكات السيادة اللبنانية”، مكررين “إدانتهما الواضحة لهذه الهجمات” ومؤكدين أن “الحل المستدام يكمن في التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 من قبل جميع الأطراف”، فضلاً عن انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المحتلة في جنوب البلاد.
و أعرب رئيسا مصر وتركيا عن “قلقهما البالغ” إزاء استمرار الصراع في السودان.. ووفقًا للبيان المشترك، جدد الجانبان دعوتهما إلى حل سلمي للصراع من خلال هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يتبعها حوار وطني شامل وعملية سياسية شاملة يقودها ويديرها السودانيون. وأكد الرئيسان مجددًا احترامهما والتزامهما بسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، ودعمهما للمؤسسات الوطنية السودانية، ورفضهما القاطع لإقامة أي هيكل حكم موازٍ. وشدد الطرفان على ضرورة معالجة معضلة الإرهاب في منطقة الساحل.
وفي هذا الصدد، ستواصل تركيا ومصر العمل على تعزيز قدرات دول الساحل في مواجهة الجماعات الإرهابية، بالتنسيق مع حكومتيهما، انطلاقًا من إيمانهما بأن استقرار منطقة الساحل يتطلب مشاركة جميع الأطراف المعنية.
كما أكد أردوغان والسيسي على أهمية تسريع عملية إعادة دمج دول الساحل الثلاث في الاتحاد الأفريقي.
فيما يتعلق بمنطقة القرن الأفريقي، أكد الرئيسان مجدداً دعمهما الراسخ لسيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وجددا رفضهما لأي إجراء يقوضها. وأعرب الطرفان عن تقديرهما لجهودهما المشتركة في دعم مكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار، ودعم التنمية المستدامة في البلاد. وفي البيان المشترك، شدد أردوغان والسيسي على ضرورة حماية البحر الأحمر واستعادة الملاحة البحرية الدولية الطبيعية فيه. ثم أكد الرئيسان عزمهما على تكثيف جهود التنسيق المشتركة لدعم خفض التصعيد في الشرق الأوسط، وتهيئة مناخ ملائم لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، على أساس حسن النية والاحترام المتبادل، بهدف التوصل إلى اتفاق مُرضٍ ومُفيد للطرفين، يُعزز السلام والاستقرار والازدهار في جميع أنحاء المنطقة. واتفق أردوغان والسيسي على استعدادهما “لمواصلة التعاون الوثيق في إطار المنظمات الدولية والإقليمية”، واختتما بيانهما المشترك بالإعلان عن أن الاجتماع القادم لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى سيعقد في أنقرة عام 2028.
والتقى رئيسا مصر وتركيا آخر مرة في سبتمبر 2025 في الدوحة، على هامش قمة عربية إسلامية طارئة، حيث أجريا محادثات ثنائية حول قضايا إقليمية، لا سيما الحرب في غزة. وجاء هذا اللقاء عقب سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى بعد استئناف العلاقات الثنائية رسمياً بين القاهرة وأنقرة، منهياً بذلك أكثر من عقد من العلاقات المتوترة. وبدأت العلاقات بين البلدين بالتحسن في عام 2021، بعد سنوات من التوتر، إلى أن استؤنفت العلاقات الدبلوماسية في عام 2023، مع تبادل السفراء.
وتلا ذلك زيارة أردوغان التاريخية إلى القاهرة في فبراير 2024، وهي الأولى منذ أكثر من عقد، حيث اتفقت مصر وتركيا خلالها على إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى لتنسيق التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
وفي سبتمبر 2024، سافر السيسي إلى أنقرة، حيث عقد المجلس اجتماعه الأول، ما أدى إلى توقيع عدة اتفاقيات.
ففي السنوات الأخيرة، تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 8 مليارات دولار أمريكي سنويًا، مدعومًا بالاستثمارات التركية في قطاعات النسيج والملابس الجاهزة والأجهزة المنزلية والكيماويات والبناء في مصر.
وتشمل الصادرات المصرية إلى تركيا منتجات الطاقة والمنتجات الزراعية والمدخلات الصناعية.
وقد حددت الحكومتان هدفًا لزيادة حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 15 مليار دولار أمريكي. ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال توسيع الاستثمارات التركية في قطاع التصنيع بمصر، وتوسيع المناطق الصناعية المشتركة، وتحسين الخدمات اللوجستية والروابط البحرية، وتشجيع مشاركة أكبر للقطاع الخاص، مع وضع التعاون الاقتصادي في صميم هذه الشراكة المتجددة.
وفي نوفمبر الماضي، صرّح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي زار أنقرة في إطار الحوار المستمر بين البلدين عقب استئناف العلاقات الدبلوماسية.
وتزامنت الزيارة مع الاجتماع الأول لمجموعة التخطيط المشتركة التركية المصرية، وهي آلية تهدف إلى تحسين التنسيق بين وزارتي خارجية البلدين وتمهيد الطريق لتعاون أوسع في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة.




