الإعلامي حمدي رزق يكتب: الاجترار يُعلِّم الشُّطّار!!
كلما مرَّت ذكرى 25 يناير، نفرٌ من شباب يناير، وقد صاروا شيوخًا، لا يملّون الذكرى، يجترّونها اجترارًا مفرطًا، على نحو يثير الحيرة والدهشة في آنٍ واحد. شباب يناير على وزن وطريقة كلمات أغنية “حبيبتي من تكون” لطيب الذكر الأمير خالد بن سعود، بصوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الرفاق حائرون، يفكرون، يتساءلون في جنون: حبيبتي أنا… من تكون حبيبتي؟!
مناهضو يناير، وهم كُثُر، يُمعنون في الاجترار السلبي، يجترّونها سلبًا، والاجترار السلبي دوّامة تفكير متكرر ومفرط في المشاعر السلبية، يتبعه هجومٌ معاكس في مواجهة جماعة الاجترار الإيجابي.
الثابت حالةُ اجترارٍ نخبوي تشدّ إليها مشاعر قطاعات شاركت أو شاهدت أحداث يناير الصاخبة، بينما يعزف عنها المجموع الشعبي المنشغل بمعاشه في مفتتح شهر كريم.
مرت خمسة عشر عامًا على يناير، ولا تزال حالة الاجترار النفساني تتفاعل، والأفكار تتلاطم، والآراء تصطخب، والنقاشات تحتدم، والهوة تتسع بين شباب يناير ورافضيهم؛ لا يلتقيان، بل تتجذر الهوة، وكلٌّ يجترّ على طريقته، سلبًا وإيجابًا.
مصطلح الاجترار في علم النفس يشير إلى حالة التفكير المضني، أو التركيز المستمر على أفكار أو مخاوف متكررة، غالبًا ما تكون سلبية، في ذهن الشخص المصاب بداء الاجترار.
الاجترار (Rumination) يُترجم بالاهتمام المركّز على أعراض ضائقة واحدة، وأسبابها ونتائجها الممكنة، دون التركيز على حلولها.
ولا توجد نظرية مثبتة تقدم الاجترار باعتباره مجرد استجابة لحالة مزاجية، بل بوصفه “استجابة للفشل في تقدّم المجتر نحو الهدف”، وما يصاحبه من خيبة أمل يُعبّر عنها في تغريدات وتويتات سلبية.
غالبًا ما يكون الاجترار على هيئة أسئلة دائرية، مثل: “ماذا لو فعلت كذا؟”، واستدامة هذا النوع من التفكير قد تُسبب الكآبة، أو ما يُعرف بالهم.
وطبيًا، فإن الاجترار الذهني هو انخراط الدماغ في دوامة من الأفكار السلبية المتكررة والمزمنة التي تدور حول الموضوع ذاته دون الوصول إلى حلول.
التفكير الاجتراري المفرط يركز غالبًا على أخطاء الماضي أو مخاوف المستقبل، ما يستنزف الطاقة النفسية ويؤدي إلى القلق والاكتئاب. ويتمّيز الاجترار بكونه قهريًا، صعب الإيقاف، ويدور فيه المجتر داخل حلقة مفرغة، تؤثر سلبًا على التركيز والنوم والأداء اليومي.
الاجترار السياسي الموسمي الذي نشهده مع كل يناير نوعٌ من الاجترار لم يقف عليه علماء النفس بعد، وخطورته تكمن في استنزاف الوقود الحيوي لمجتمع يقاسي تبعات سنوات الفوضى التي أعقبت يناير. ولسان الحال: الله لا يعيدها، أيامٌ كادت تعصف بالوطن لولا العناية الإلهية… عناية الله جندي.
سقوط الطاقة الاستشرافية للمجتمع في هوة الاجترار السياسي المظلمة يحرم المجتمع من تدارس ما بعد درس يناير، ويصرف خلاياه الحية عن التفكير الإيجابي في المستقبل، ويسجن المجتمع بأسره في قفص الذكريات السلبية، بما يؤثر على الصحة النفسية لمجتمع يتطلع إلى مستقبل أفضل تأسيسًا على السوابق؛ وبالسوابق ينهضون بعد العثرة.
بعض شباب يناير – أخشى – وقف بهم القطار عند محطة يناير، لا يودّون مغادرتها، ويتمنون إعادة عجلة الزمن إلى الوراء في «نوستالجيا» حميمة لأيام الميدان، والثمانية عشر يومًا التي يرونها أجمل أيامهم، ومصدر فخرهم وتفاخرهم.
لا تثريب عليهم، نوستالجيا محببة لهم، غير أنهم لا يراجعون ما كان منهم، ولا ما كان من جماعات تربصت بهم، واختطفت الميدان بمن فيه لصالح خلافة وملك عضوض، كان أول ضحاياه شباب يناير، الذين كادوا يُعلَّقون من رقابهم على المشانق، لولا ثورة 30 يونيو، التي يناصبونها عداءً مستحكمًا دون مبررات موضوعية أو سياسية، وبعضهم شارك فيها على طريقة العرب: “ليس حبًّا في علي، ولكن كرهًا في معاوية”.
نفرٌ من شباب يناير، الذين صاروا شيوخًا، لديهم ميل غريزي لجلد الذات وجلد الآخرين. وجلد الذات سلوكٌ نفساني سلبي يتمثل في النقد المفرط والمستمر للنفس، ولومها بشكل مبالغ فيه على الأخطاء، بما يؤدي إلى الشعور بالذنب، وهو ما يختلف عن المحاسبة البنّاءة؛ إذ يُقعد جلد الذات الفرد في دائرة مفرغة لا تنتهي، بدلًا من التطور والاستفادة من التجربة استبصارًا لمستقبل يكونون فاعلين فيه.
مثلهم كمن يتجنب الحاضر لصالح ذكرى الماضي، حالة ماضوية عميقة تنتج عزوفًا سلبيًا عن المشاركة الإيجابية في بناء الوطن، فيقاطعون الفعاليات الوطنية كافة، في غضب ممزوج بحزن شفيف على ما ضاع من أعمارهم ركضًا وراء سراب يحسبه الظمآن ماء.
الاجترار، كفيروس متحوّر، أصاب أيضًا بعض رافضي يناير؛ تراهم ناقمين شامتين، يحمّلون يناير كل سيئة، ويكايدون، ويتزيدون باتهامات العمالة والخيانة في سياق حديث المؤامرة. عندهم، كل من شارك في يناير أو وطأت قدماه الميدان خائن أو عميل أو ضال مضلل، ولا يزالون يحررون قوائم الاتهام دون نظر في المآلات، ولبعضهم في ذلك مآرب أخرى.
أخشى أن محاولات الجمع بين شباب يناير ورافضيهم من أنصار يونيو قد باءت بالفشل، رغم أن الجمع حاصل، والدرس ماثل، وما اختُطف في يناير استرده الشعب في يونيو. والعقل يقول بالجمع الموجب لصالح وطن يستحق الاصطفاف الوطني الذي تألق في يونيو، وما تلاها من فصول استنقاذ الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة من براثن الدولة الدينية الثيوقراطية. ولولا هذا الجمع الشعبي الموجب، لكان للقصة فصول أخرى.
يمر يناير، ويعود كلٌّ إلى قواعده، يجترّ آلامه وأحزانه. في شهر الاجترار يحتار الشطار، ورغم أن الاجترار (التكرار) يعلّم الشطار، فإنهم – للأسف – لا يتعلمون من دروس الماضي القريب. أخشى بصدق فيهم وفينا قول المبعوث رحمةً للعالمين ﷺ: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”.
قيل: أومن قلة نحن يومئذ؟
قال: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل”.
موضوعات ذات صلة
الإعلامي حمدي رزق يكتب: الفريضة الغائبة عن منابر المحروسة
الإعلامي حمدي رزق يكتب : وطني لو شغلت بالخلد عنه




