د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: حين يصمت القانون الدولي وتصرخ الأخلاق الإنسانية
في عالم تحكمه القوة الغاشمة , لا يكون القانون دائما مرادفا للعدالة.. ولا يكون غياب الحكم القضائي دليلا على غياب الجريمة.
يعلمنا التاريخ دروسًا أخلاقية تحفر في الذاكرة , أهمها الدرس الذي يجب أن نعيه الآن , وهو أن القانون كيان اجرائي بينما الاخلاق سؤال اعمق منه, وان المسافة بينهما هي المساحة التي يسكنها الظلم القاتل.
القضية يا سادة ليست قضية افراد بعينهم بل قضية بنية.. بنية تسمح لأقوى انسان في العالم ان يواجه اتهامات خطيرة تتعلق بالتحرش الجنسي واستغلال القاصرين ثم يمر الصمت الدولي وكأنه شكل من اشكال البراءة الأخلاقية.
ولقد حذرتنا الفلسفة منذ زمن طويل من هذا الخلط , فها هي حنة أرندت لم تر الشر كفعل استثنائي لوحوش
بل كنتاج طبيعي حين تنفصل القوة والسلطة عن التفكير الأخلاقي, حين يصبح الفعل مجرد اجراء, والقرار مجرد وظيفة, والانسان مجرد رقم يمكن تجاهله, لا بل قل إن شئت الدقة, تم تجاهله بالفعل لصالح حسابات رخيصة.
من هذا المنظور لا يكون مستغربا أبدًا أبدًا , – أن من يدير العنف على مستوى الشعوب, ويبرر سحق المدنيين الأبرياء , ويتعامل مع قتل الأطفال والضعفاء كخسائر جانبية يمكن تبريرها بسهولة – ان يواجه اتهامات بانتهاك أجساد الأفراد
المنطق واحد…أن من يقوم بالعنف السياسي لا يتورع عن العنف الجسدي , و نزع الإنسانية, وتحويل القوة الى قيمة قائمة بذاتها.
أما ميشيل فوكو فلم يكن معنيا بالفضائح الأخلاقية بل بكيفية عمل السلطة, كان يرى ان السلطة الحقيقية تظهر حين تملك الحق في إدارة الأجساد, في تصنيفها في ضبطها, في كسرها عند الحاجة, وحين يصبح الجسد مجالا للسيطرة, تسقط الفواصل بين العام والخاص بين السياسة والاعتداء, بين الحرب والجريمة.
استباحة جسد شعب ليست بعيدة عن استباحة جسد طفل, كلاهما نتيجة تصور واحد, تصور يرى الاخر كشيء
كوسيلة, كامتداد لرغبة القوة, الرغبة في التملك والسيطرة.. هنا يجب أن يصبح الاعتراض الذى سيسأله فقط من له ضمير حي : اين الإدانة القضائية؟
لكن هذا السؤال نفسه يحمل مغالطة فلسفية .. فالعدالة القانونية ليست نظام كشف للحقيقة بل نظام ادارة للنزاعات, ومن دواعي الأسف الأخلاقي أنها تخضع لموازين القوة والأدلة والقدرة على الصمت والتمويه بجدارة لا مثيل لها.
ولقد أشار فالتر بنيامين إلى اأن القانون ذاته قد يكون قائما على عنف مؤسس, وانه لا يدين العنف دائما بل يعيد انتاجه حين يخدم استمراره, لذلك فان صمت القانون الدولي لا يعني الحياد بل قد يعني التواطؤ البنيوي.
ولقد حللت سيمون دي بوفوار طويلا لماذا تصمت الضحايا, الصمت ليس دليلا على البراءة ….بل غالبا نتيجة منظومة تحمي الجاني القوى, وتشكك في الضحية الضعيفة.
وتجعل الكلام فعلا مكلفا نفسيا واجتماعيا واخلاقيا حين تكون السلطة غاشمة, اقتصاديا و سياسيا فان صوت الضحية يصبح نشازا ويتم التعامل معه كتهديد للنظام العالمي لا كطلب عدالة تعويضية.
وعليه, فإنني امتلك قناعة أخلاقية بأن القول بان الاتهامات وحدها لا تكفي هو قول قانوني لكنه لا يكفي أخلاقيا, فالأخلاق لا تعمل بمنطق البراءة الإجرائية, بل بمنطق المسؤولية النزيه ،نومن يتربع على قمة القوة يتحمل عبئا أخلاقيا مضاعفا لا مخففا
الصمت الدولي لا يغسل اليدين, والتردد لا يمحو الأثر والتاريخ لا يكتب بمحاضر المحاكم وحدها, بل بذاكرة الضحايا, وبالإسئلة التي لم تجد أجوبة
هذه ليست دعوة للإدانة, ولا محاكمة شعبوية بل رفض للسذاجة الأخلاقية… التي تظن ان القوة يمكن ان تنفصل عن العنف
وان من يبرر سحق جسد نحيل في الجغرافيا وينهب ارضه بوقاحة, لا يتعفف عن سحق جسد نحيل وانتهاك كرامته, المنطق واحد.
الحزن هنا يا سادة , ليس انفعالا… بل نتيجة معرفة,معرفة بان العدالة حين تدار بميزان النفوذ والقوة تترك خلفها جروحا عميقة ومع ذلك لا يراها القانون الدولي , لكن لا ينساها التاريخ. وقد يصمت القانون الدولي …لكن الصمت نفسه, سيكون يوما جزءا من اتهام التاريخ لضمائرنا
اقرأ أيضا
د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: الخروج الآمن من كهف أفلاطون بأقل الخسائر النفسية




