الجزائري محمد عدنان بن مير يكتب لـ «30 يوم»: ما بعد الهيمنة.. مقاربات تكشف تحرر الكاتب وتجاوزه للأنساق الغربية
في ظل الهيمنة الطويلة النسق الغربي ، على مسارات الفكر و الإبداع ،يجد الكاتب نفسه أمام نموذج يكاد يملي طرائق التمثيل ، والتعبير ،ويحدد معايير القول الفلسفي و الكتابة الأدبية .
غير أن التحولات التي شهدتها المجتمعات ثقافياً وسياسا بفعل النظام العالمي الجديد الأحادية القطبية التي باتت تحكم مسار العلاقات الدولية أنتجت اختلال في توازن القوى العالمية فمن البعد الديني والتاريخي والطائفي كل أمة تسعى إلى إعادة مجدها.
هذه التحولات أفسحت مجال السعي إلى تفكيك المركزية الغربية وإعادة بناء خطاب ينهض من عمق التجربة وخصوصيات سياقها المحلي .
ومن هذه المستجدات برزت الحاجة إلى استكشاف الكفية التي يخرج بها الكاتب عن النسق الغربي ،لا كمتمرد عابر بل كفاعل واعي يؤسس لكتابة تتجاوز القوالب الجاهزة ، وتبتكر رؤى نقدية تستعيد للذات والمجتمع موقعه ويده في صناعة المعنى ولسان القول .
إن هذا المسعى لا يقتصر على رفض الأنساق الغربية كمرجعية ،بل يتجذر في الرغبة إلى حلحلة المألوف وفتح آفاق جديدة يتقاطع فيها الإبداع مع الهوية والتاريخ واللغة .
حيث يمضي الكاتب قدماً نحو ابداع مستقل النسق والمنهج ،بمفهوم كتابة أدبية وفلسفية محررة للعقل من المركزية الغربية ،يمكن القول بما لا يدع مجالا للشك والريبة أنه على الكتاب المعاصرين أن يتحرروا من سطوة النسق الغربي ويتركوا ظاهرة استسهال الكتابة الروائية حتى يتمكنوا من الأدوات الفنية والبلاغة والصناعة اللفظية منزوعة التكلفة فتبدو الكتابة الأدبية فنا متميزاً يطبع بطابع عمق الفكرة وواقعيتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية .
فالأدب في رأينا مرآة عاكسة بل إنه صانع الأيديولوجية لاي مجتمع بدقة النظر والمنطق ، يرنو إلى الازدواج ثم يصور الفكرة في مشاهد حية يتلقفها ، المتلقي سماعا وقراءة ،ويتوقف هذا الطرح على مدى واقعية الفكرة بحيث يجعل الكاتب يولد المعاني منها حتى لا يدع لقائل قولا ، ويولع بوضع الأحاديث منها والروايات الشفوية التي تركتها المأثورات الشعبية ، حكايات السمر وجلسات الشاي يلبسها ثوبها التاريخي الذي يكرس مقومات الهوية ،ويعزز مبادئ اللحمة والعيش المشترك.
فلا يكتفي بإيراد وسرد الوقائع على ما عرفه وما تناقلته الكتب في صفحاتها من انساق بل يرسل عليها صايبا من فيض البلاغة ،ويمزج الأدب والحكمة والتدبر والتصوف يسهم في حل الإشكاليات الفلسفية وميلاد مذهب خاصاً به بعيدا عن التقليد الأعمى.
ان هذا الطرح يعزز استقلالية فعل الكتابة ولا ينسبه إلى مذهب أو نسق عربي ، بمعنى منزوع من المفاهيم والأنساق الغربية غير البيئة تصبح الكتابة في أفعالها الثلاث :- تدبر ،اقرأ.ابدع تؤسس إلى انساق تعبيرية إبداعية تمكن المتلقي الحاذق من طرح استشكال فلسفي تدبري يمكن رصد نمطه ، بالتعمق في مدلولاتها الفعلية المثاقبة مثل المقابسة الذاتية من الموروث الثقافي الشعبي بدل نقده نقدا تشكيكا يفضي للتآكل زمنيا وتمكين ثقافة دخيلة ووهن يصيب الثقافة الاصلية لتنتهي إلى الأفول .
قد يقول قائل هذه دعوة إلى الانغلاق ،فالخروج من النسق الغربي لا يعني الانغلاق بل ايجاد لغة سردية أو نقدية متجذرة في المحلي والراهن بعيدا المثالية النرجسية لكنها قادرة على مخاطبة الإنسان عموماً.
إذ علينا الوعي كل الوعي بأن العرب ليس مركزاً للعالم وعلينا تجنب ردة الفعل العاطفي أو الرفض الاعمى بمعنى الوسطية والاعتدال فالهدف من هذه النظرية هو التحرر وليس العداء بمفهوم الوسطية وتمكين التجربة الأدبية المحلية من احتلال مركزية النص.
إذ يكتب الكاتب من عمق مجتمعه وتجربته بخصوصيات الحياة اليومية وتعقيداتها فإنه يتحرر من القالب الغربي ويمكن للثقافة.
فليس كل مفهوم أو مبدأ مستورد يصلح لكل واقع أو مجتمع فالمطلوب هو إعادة تكييفه اواستبداله بمفهوم أو نسق أكثر مواءمة.
بهذا الطرح تتولد أشكال كتابية جديدة ، فكثير الانساق الكتابية الأدبية ونظرياتها جاءت من الغرب ، لكن يمكن للكاتب أن يبدع بنى سردية من الحكايات والمقامات والتاريخ الشفوي وإنتاج المعرفة من الداخل الشعبي والمجتمعي فيعيد اكتشاف التراث المحلي و بعثه .
ليس بالمفهوم التقليدي فحسب بال الذاكرة الشعبية والفنون الشعبية والحكم والأساطير المحلية واللغة اليومية تكون هذه المعطيات جزءًا من بنية النص لا مجرد زينة .
بهذه النظرية يكون كاتب اليوم قد تحرر من مركزية النسق الغربي والتقليد إلى الإبداع ويخلق مركزية النص النابع من الموروث الشعبي.
وترفع عن المقابسات الغربية للمفاهيم غير المبييئة ليتمكن من مفاتيح الصياغة البديعة والقدرة الفذة على التناسق في المفاهيم والصيغ وينظر بالعين والعقل معا في مستقبح و المستحسن منها والتي وراءها يمكن للنسق الغربي مركزية الإبداع ،قيودا وسروج التقليد التي وضعت على صهوات الأقلام لتزرع سلطة أبوية مبنية على الثالوث العيش خبز ماء وهواء فيغدو المشهد الثقافي فجا لا طعم له.
هذه الاستنتاجات التي قدمنا تتولد من فرضية التحرر من قيود السيطرة الاستعمارية الغربية واستعادة السيادة السياسية تفرض بإلحاح طرح اشكاليات التقليد والإبداع الأدبي ، وحتمية الخروج من دائرة النسق الغربي.
ولا يتأتى هذا الطرح الا بإعادة حوكمة وتبييئة المفاهيم المستوردة ،وجعل الموروث الشعبي مصدر الإبداع في الكتابة الأدبية والفلسفية بإنتاج معرفة منبعها الداخل الشعبي والمجتمعي ومن ثم بعث وصياغة هذا الموروث والتنقيب عليه في سرداب ثقافه المجتمع الاصلية دون إفراط وتفريط حتى تكون جزءًا من بنية النص ومركزيته.
كيف لا والحياة حبلى بالمعضلات الاجتماعية التي تتلمس الحلول في الحوالك احقابا دونما تشخيص الداء ووصف الدواء على صهوة القلم والكتابة التي تتولد من رحم المعاناة ،لتبني مشاهد ثقافية تشكل فسيفساء متنوعة.
إذ المشاهد الثقافية تبنى ولا تعلن هذه الحتمية الواقعية تطرح إشكالية المشهد الثقافي في الحال والمأل في لحظة يختلط فيها الفكر بالواقع فيصبح الانفلات من سلطة النسق الغربي الغربي حتمية لتحرير المعن.
كاتب المقال : كاتب وباحث جزائري من ولاية ورقلة – الجزائر




