توبكُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الأرض بتتكلم عربي

في عام ١٩٦٧ غنّى المبدع سيد مكاوي أغنية الأرض بتتكلم عربي من ألحانه وكلمات الشاعر فؤاد حداد وعلى الرغم من أن للأغنية سياق خاص بفترة ما بعد نكسة ١٩٦٧، إلا أنني وجدت نفسي أردد مطلعها ضاحكة وذلك أثناء جلوسي منفردة بنفسي في أحد النوادي الشهيرة فاستمعت صدفة لحوار بين أم وابنتها وصل إلى مسامعي بعضا من جمله والتي لم تخل واحدة منها من لفظة أو لفظتين باللغة الانجليزية،  وللحقيقة لم أندهش كثيرا فقبلها بأيام وأثناء  متابعتي لاحدي اللقاءات الفنية على شاشة التليفزيون المصري، حيث أجرت الاعلامية الشهيرة عددا من اللقاءات مع النجوم والنجمات أثناء انعقاد أحد المهرجانات ودار اللقاء طويلا مع هذا وهذه وتلك فوجدت أنه لا تمر جملة حوارية دون استخدام لفظة أجنبية بل وأحيانا جملة كاملة سواءا من المذيعة شخصيا أو الضيف أو الضيفة، رددت وقتها إذا كان رب البيت بالدف ضاربا، فكيف لإعلامنا العربي بإعلامييه وإعلامياته العرب أن يسمح أن نسير بخطي الواثق نحو اندثار هويتنا وطمس ثقافتنا بهذا الشكل!!

إن أول باب لثقافة وحضارة الشعوب هى لغتها، ويطلق على لغة البلد اللغة الأم حيث أنها الوعاء لحضارات الأمم فلماذا نصر نحن على إفساد وعائنا وتشويهه!! ولطالما اندهشت من تعليقات كثيرين حولي على تفوقي لغويا وكأن في ذلك ما يدعو للتعجب، فعلى الرغم من دراستي للغويات والترجمة والأدب بقسم اللغة الإنجليزية إلا إنني لم أتجاهل قط اللغة الأم، بل رأيت أن هذه الدراسة نفسها تستلزم تقوية اللغة الأم والإلمام إلى حد كبير بمفرادتها وتعابيرها ونحوها وصرفها، كما إننا، أخوتي وأنا، نشأنا في أسرة تقدس القراءة كوسيلة للمعرفة والتنوير، فلم يكن يفوتنا تقريبا كتاب أو جريدة أو حتى مجلة أطفال إلا واستمتعنا بكل كلمة فيها ولا نكاد ننتهي من القراءة حتى نبدأ في حلقات نقاش وبحث وتبادل آراء مع والدي رحمه الله، فكنا نتيجة لذلك عاشقين للغة، نجلها إجلالا عظيما لما تضيئه لنا من نور المعرفة وتهبه لنا من اتساع الأفق والمدارك.

لماذا لم تعد للغتنا هذه الهيبة والتقديس، فعلى الرغم من أيضا كونها لغة القرآن، لم يعد من أبناء هذا الجيل من يستسيغها، وكعادتي لا أطلق كلاما مرسلا بل بناءا على مشاهدات كثيرة جدا حولي بحكم عملي واحتكاكي بأعمار مختلفة.

هل هناك تعمد للقضاء على ثقافتنا ومحو كل أثر لها وتخليق جيل جديد يجهل، بل وينفر أيضا، من كل ما يخص هويته العربية؟؟

لقد عاشت مصر تحت الاحتلال البريطاني أربعة وسبعين عاما، وعلى الرغم من ذلك عاشت حرة مستقلة، كان الوجود الأجنبي وجودا ماديا فقط، لم يؤثر على وعي أو تعليم أو عادات وتقاليد، كانت مصر تحت الاحتلال البريطاني بالفعل حرة مستقلة، على الرغم من تأثر جميع الدول الأخري تقريبا بثقافة محتليها، كان للكيان المصري وجوده وأصالته وثباته، لم يتزحزح في أيا من أوجه الحياة، وبمتابعة الإعلام المتاح هذا الفترة نري أنه خلا تماما من أي تأثر. إذا ما نراه الآن هو احتلال فكري وغزو ثقافي فعلي وهو للحق الأكثر خطورة والأسهل تأثيرا والأصعب مقاومة.

أعلم أنه الآن قد يخرج من يدعي أنني ضد التحضر والتقدم والمدنية وأنني أريد لهذا الجيل أن يقبع في ظلمات الجهل، وأن اللغة الإنجليزية لغة عالمية، ولن يغير ذلك من موقفي شيئا، فاللغة كما قلت هى الهوية والوعاء الحضاري، واللغة الإنجليزية لغة عالمية لأربابها وفي سياقها وعند اقتطاعها من هذا السياق ونسجها في نسق حواراتنا، نصبح كالعرايا أو المتنطعين أو المتطفلين.

كنتم خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالي في كتابه الكريم، خير أمة بعلمها وأخلاقها وثقافتها وعاداتها وعروبتها ونبلها واكرامتها واعتزازها بنفسها وكبريائها.

نحن لدينا الكثير لنباهي به ونفتخر لا نحتاج لنتطفل على غيرنا أو ننتسب لثقافات آخري.

والمدهش عزيزي القارئ إن كثيرا من المستشرقين أفاضوا في الحديث عن اللغة العربية وجمالياتها وثرائها وكمالها ومرونتها، فما بالنا نحن نتنصل من الانتساب إليها ونفخر بتجاهلها وعدم المامنا بمفرادتها وكأنما نثبت صحة مقولة “لا كرامة لنبي في وطنه” أعزها الغرباء وأسهبوا في وصفها والتعبير عنها وأمتهناها نحن بكل فخر، فتقريبا كل أسرة حاليا تفتخر أن لها ابن أو ابنة لا تتحدث كلمتين عربي على بعض وأن عقدة حياتها اللغة العربية.

إنه لعار علينا أن فرطنا في جوهرنا وكينونتنا، عار سيظل يلاحقنا جيلا وراء جيل وسيأتي يوم سنسأل فيه عن ذلك.

ومن هنا فإنني أرجو رجاءً حارًا من جميع مؤسسات الإعلام أن يكون لها هذا التوجه وهو احياء اللغة العربية والعمل على تسليط الضوء على آدابها وجمالياتها كما كان سابقا من برامج مثل أمسية ثقافية للراحل فاروق شوشة ونجمك المفضل للراحلة ليلي رستم ولقاءات الراحلة أماني ناشد مع كبار الأدباء والمثقفين.

أعيدوا احياء لغتنا الأم ببريقها وثرائها ورونقها، اعيدوا لنا تراثنا وتاريخنا واجعلوا اللغة العربية زينة على ألسننا.

الأرض بتتكلم عربي، منتكلمش احنا عربي ليه ؟!!

 اقرأ أيضا

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: ويرفرف العمر الجميل الحنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى